حكايات اسما السيد2

صوت صفارة حادة انطلق من العمارة اللي كنا ساكنين فيها، والأضواء الخارجية للشارع كلها اتقطعت مرة واحدة، وحل الضلام الدامس على المكان!

سمعت أصوات صراخ واشتباك في الضلمة، وصوت ضربات معدنية حادة. قلبي كان بيتقطع وأنا مش شايفه حاجة، بضرب على إزاز العربية وبصرخ باسمه: “كرييييم! كريم!”

وبعد ثواني معدودة كانت بالنسبة لي كأنها دهر.. اتفتح باب العربية بسرعة، ودخل شخص وهو بينهج بشدة..

كان كريم!

هدومه كانت متتربة، ووشه فيه جرح خفيف عند خده، بس كان ماسك الشنطة في إيده وعينيه سالمة. قفل الباب بسرعة وزعق للسواق: “اتحرك فوراً على المطار! يلا!”

العربية طلعت بأقصى سرعة، الكاوتشات سحفت على الأسفلت، وسبنا الشارع وراءنا المليان بالفوضى والأضواء اللي بدأت ترجع تفتح وتطفي.

ارتميت في حضن كريم وأنا بنتحب وبترعش. كريم حضنني بقوة، حط رأسه على رأسي وكان بينهج، وإيده بتطبطب عليا بالراحة: “أنا بخير يا مريم.. بخير. خلاص.. الخطر الأكبر عدى.”

مسحت دموعي وبصيت له وهو بينهج، وقولتله: “هنروح فين دلوقتي؟ وإيه الجهاز اللي كان معاك ده؟”

كريم ابتسم ابتسامة تعب، وبص من الشباك للشارع اللي بيعدي بسرعة: “الـ أجهزة دي كانت خطتي الاحتياطية لو المكان اتكشف. الشقة الميكانيكية اللي كنت قاعد فيها مكنتش مجرد ورشة.. كانت مركز إدارة كامل معزول. والأوراق اللي في الشنطة دي.. فيها أسماء شخصيات كبيرة جدًا هنا وفي أوروبا، شخصيات كانت بتسهل للشركة دي عملياتها.”

بصلي وواجهني بجدية: “حياتنا القديمة انتهت يا مريم. أهلك اللي كانوا شايفينني ميكانيكي مش يسوى، هيصحوا الصبح يلاقوا الشارع مليان بوليس وتحقيقات، وهيلاقوا اسمي في كل وسائل الإعلام العالمية كمهندس الطيران اللي كشف أكبر قضية فساد صناعي في التارخ الحديث.”

سكت كريم لحظة، وتليفونه رن بصوت عالي. بص في الشاشة، ملامحه اتغيرت وتشنجت تاني.

رد على المكالمة، وحط التليفون على السبيكر..

صوت جهوري وعصبي جايلنا من السماعة، صوت بابا!!

“مريم؟! كريم؟! أنتم فين؟! البوليس واقف تحت العمارة، وفيه رجال أعمال وناسين بتسأل عنك يا كريم! أنت مين يا ابني؟! وعملت إيه في بنتي؟!”

كريم بصلي، وبعدين رد على التليفون بثبات وهدوء تام: “عمي.. بنتك في أمان معايا زي ما وعدتك. والميكانيكي اللي كنت بتقول عليه بيمسح الزيت والشحم.. رايح دلوقتي يغير مجرى قضية دولية. وصدقني.. لما نرجع، هيكون لينا كلام تاني خالص.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *