جوزى حجز تذاكر درجه اولى

خرج الأستاذ طاهر في تلك اللحظة من البوابة الرئيسية متجهاً لسيارته. وعندما رأى طارق يتعارك مع الحراس، أشار للحراس بالابتعاد قليلاً ووقف أمامه بجمود.
تقدم طارق خطوة ونزل على ركبتيه تقريباً أمام المحامي:
— “أستاذ طاهر! أرجوك.. خلي مريم تخليني أشوف الولد بس دقيقة واحدة! مش عايز منها فلوس، مش عايز أرجع الفيلا، ومش عايز أي حاجة من أملاكها! أنا بس عايز ألمس ابني وأقوله إني آسف!”
نظر إليه الأستاذ طاهر بنظرة سردت كل معاني الحسرة والازدراء، ثم قال بصوت خفيض وواضح:
— “الآسف دي بتقولها لما تغلط في حق حد في الشارع غصب عنك يا طارق.. مش لما تسيب شرفك ومراتك الحامل بتموت من التعب والوقوف في القطر عشان توفر تذكرة VIP لأختك!”
ثم استطرد المحامي وهو يفتح باب سيارته:
— “مريم ولدت النهاردة، ويوسف نزل الدنيا في مكان نظيف ومحترم، بين ناس يصونوه ويحموه.. والنعمة لما بتيجي للإنسان وهو مش مقدرها، بتروح منه وما بترجعش تاني أبداً.”
تحركت سيارة المحامي ورجال الحراسة خلفها، وتركوا طارق واقفاً في منتصف الشارع، يكسره البرد وتجلده الحسرة.
مرت الأيام والشهور، ودخل الصيف ثم جاء الخريف.
عادت مريم لممارسة نشاطها الاستثماري من جديد، ولكن هذه المرة بقلب أكثر قوة وعقل أكثر صلابة. أنشأت مؤسسة جديدة لتطوير حلول البرمجيات والأمن السيبراني، وأطلقت عليها اسم “يوسف تكنولوجي”. أصبحت إحدى سيدات الأعمال البارزات في مصر، وتصدرت صورها المجلات الاقتصادية كنموذج للمرأة الناجحة القوية التي تبني إمبراطوريتها بعرقها وذكائها.
في المقابل، كان طارق قد وصل إلى القاع. عمل في أحد المستودعات الصغيرة لنقل البضائع وتفريغ الصناديق في منطقة نائية، يتقاضى أجراً يوفر له لقيمات يسد بها رمقه. في كل مرة كان يحمل فيها صندوقاً ثقيلاً على ظهره ويشعر بالوجع يمزق فقراته، كان يتذكر موقف مريم في ذلك القطر..
وفي مساء أحد أيام شهر ديسمبر، وفي احتفالية ضخمة أقيمت بأحد أكبر الفنادق على النيل بمناسبة تأسيس الشركة الجديدة، كانت مريم تقف بلباس أسود أنيق، ممسكة بطفلها يوسف الذي بلغ من العمر عدة أشهر، وحولها كبار رجال الدولة والاستثمار ورجال الأعمال.
وقف والدها بجوارها والتقط الميكروفون ليقول أمام الحضور:
— “النهاردة أنا مش بس فخور بـ مريم كنجمة في عالم الاستثمار.. أنا فخور بيها لأنها أثبتت إن الست القوية هي اللي تعرف تختار صح، وتعرف تحمي بيتها وابنها، وتعرف ترمي ورا ظهرها أي حد يظن إن طيبتها أو سكوتها نقطة ضعف!”



