جوزى حجز تذاكر درجه اولى

بعد ما خلص توقيع، الأستاذ طاهر أخد الورق، راجعه بدقة، وبعدها شاور للمحامي اللي جنبه:
— “جهز إشهار الطلاق ورتب الأوراق الرسمية.”
بص طارق للمحامي وقال وهو بيبكي بدموع حقيقية لأول مرة في حياته:
— “هي مريم.. مريم وقفت في القطر من غير ما تبكي أو تتكلم ليه؟ ليه ما صرختش فيا؟ ليه ما قالتليش أنت بتعمل إيه؟”
الأستاذ طاهر بص له وهو بيلف الملفات:
— “لأن الست لما بتوصل لمرحلة إنها تحس إن الشخص اللي معاها مش سند، ما بتبكيش يا طارق.. وما بتعاتبش. السكوت ساعتها ما بيكونش ضعف.. بيكون قرار نهائي. وأنت سقطت في نظرها من المحطة الأولى.”
طلع طارق وأخته من البرج الإداري.
الشمس كانت في كبد السماء، والحرارة شديدة.
وقفوا على الشارع.. طارق معاه شنطة بلاستيك فيها الموبايل بتاعه وورقة الطلاق، ومفيش في جيبه غير كام جنيه فكة.
فاطمة سابته ومشت وهي بتعيط وبتدعي عليه.
طارق قعد على الرصيف في وسط الشارع، والناس رايحة وجاية، وهو قاعد حاطط وشه بين إيديه، سامع صوت القطر وهو بيبعد في محطة أسيوط.. وصوت مريم وهو بيتكرر في دماغه.
مرت أسابيع على ذلك اليوم الذي انقلبت فيه حياة طارق رأساً على عقب. أصبحت أزقة القاهرة وشوارعها الضيقة تسحبه وتلف به في دوامة لا ترحم. انتقل للعيش في غرفة صغيرة بالإيجار في إحدى المناطق العشوائية، غرفة بسقف متهالك ونافذة تطل على حارة ضيقة.
كان يصحو كل يوم على صرير السيارات، ينظر في يديه اللتين لم تعرفا العناء يوماً عندما كان يتنعم بمال مريم وفيلا التجمع الفارهة. شغل باله طوال هذه الفترة بالبحث عن عمل، لكن الواقع كان أشد قسوة. بمجرد أن يقدم أوراقه في أي شركة أو مكتب، كان يصله الرفض الفوري؛ فنفوذ عائلة مريم القانوني والاستثماري وشبكة علاقات والدها كانت قد وضعت اسمه في القوائم السوداء في سوق العمل بأكمله.
حتى أخته فاطمة، تركه الجميع في مواجهة مصيره. أغلقت بابها في وجهه، وعادت لتعيش في خوف وانعزال.
وفي صباح يوم شديد البرودة من شهر فبراير، وفي أحد المستشفيات الخاصة الفخمة بمنطقة المعادي، كانت مريم تتمدد على سرير مريح في جناح ملكي محاط بالورود البيضاء والهدوء التام.
كان والدها يقف بجوار النافذة، يحتضن بين يديه كوباً من القهوة الدافئة، بينما المحامي طاهر يقف عند الباب ومعه بعض الأوراق الخاصة بنقل ملكيات جديدة ومحافظ استثمارية أضيفت باسم المولود الجديد.




