جوزى حجز تذاكر درجه اولى

طلعوا الدور التالت، وطارق خبط على الباب بعنف شديد.
فتح الساكن، راجل كبير في السن ولابس جلابية، بص لطارق بضيق:
— “خير يا أستاذ طارق؟ في إيه بتخبط كده ليه كأن البيت بيولع؟”
— “عم إبراهيم.. أنت لازم تفضي الشقة دي فوراً!” قال طارق بصوت مرتعش. “أنا محتاج الشقة ضروري جداً النهاردة!”
الراجل العجوز بص له باستغراب وضحت ضحكة سخرية:
— “أفضي إيه يا ابني؟ أنت شارب حاجة على الصبح؟ أنت دافع الإيجار مقدم لسنة كاملة والعقد بتاعي ينتهي بعد سبع شهور! وفوق ده كله، أنا بكلم المحامي بتاعك وبحول الإيجار شهرياً على المكتب.. استنى كده! هو مش المحامي ده اللي كلمني امبارح بالليل؟”
طارق جمد في مكانه:
— “محامي إيه؟ أستاذ طاهر؟!”
— “أيوة! الأستاذ طاهر كلمني وقال إن الشقة دي مكتوبة بعقد تنازل وهيحولي قيمة الإيجار لسنة كمان قدام بشرط إني ما أخرجش منها ولا أسمح لأي حد يدخلها إلا بأمره! وقال لو أنت جيت، أبلغ أمن المنطقة فوراً!”
طارق اتسند على الحيطة بتاعت السلم. رجليه ما بقتش شايلاه.
مريم.. مريم ما سابتش ثغرة واحدة!
الست اللي كان فاكرها ساكتة، ومستكينة، ومش فاهمة حاجة في الدنيا.. طلعت متحكمة في كل خيط من خيوط حياته، ومحاصراه من كل اتجاه بمنتهى الذكاء والهدوء، من غير ما ترفع صوتها ولا تطلع كلمة عيب!
فاطمة قعدت على الدرج وبدأت تصوت وتلطم على وشها في وسط العمارة:
— “يا لهوي يا فضيحتنا! يا خرابي يا طارق! هنعمل إيه؟ هننام في الشارع؟!”
الجيران بدأوا يفتحوا البيوت ويطلعوا برؤوسهم يتفرجوا عليهم. طارق شد أخته بالقوة ونزلوا على الشارع وهو حاسس إن كرامته ونفسه مكشوفة قدام العالم كله.
— “لوكاندا..” قال طارق وهو بيهمس لنفسه. “هنأجر أوضة في لوكاندا رخيصة لحد ما الصبح يجي ونروح لمكتب الأستاذ طاهر.. لازم أحل الموضوع ده قانونياً، أصل هي ملهاش حق تعمل كده، أنا جوزها شرعاً وقانوناً ودا ابنها اللي في بطنها!”
قضوا الليل في لوكاندا متهالكة في وسط البلد. الأوضة كانت ضيقة، ريحتها رطوبة وصوت العربيات برة ما بيقفش. طارق ما قدرش ينام ثانية واحدة. كل ما يغمض عينيه، يشوف منظر مريم وهي واقفة جنب عربية البضائع في القطر، صامتة، عينها ثابتة عليه.. وبصوت القطر وهو بيبعد في محطة أسيوط.
افتكر كل مرة اتريق عليها قدام أخته، كل مرة طلب منها أكل ومشي وسابها تنضف البيت لوحدها وهي تعبانة..




