بقيت الوصية

ماقدرتش أكمل قراءة، ودموعي سبقتني.
حطيت الورقة على صدري وأنا باكي بصمت.
ليلى كانت بتعيط بهدوء، وسلمى مسكت كتفي بقوة.
قلت بصوت مخنوق:
— هو كان عارف بكل اللي هيحصل.
المحامي قال باحترام:
— كان يثق في حضرتك ثقة مطلق.

مسحت دموعي وكملت قراءة السطرين الأخيرين:
— «ولو جه اليوم اللي يسألوكي فيه: مين أمنا الحقيقية؟
قولي لهم الحقيقة كاملة.
الأم الحقيقية مش بس اللي بتولد وتتخلى…
الأم هي اللي تبتعد عن الراحة وتفضل موجودة مهما كانت الظروف.»

وقفت القراءة، وماحدش في الغرفة فكر ينطق بكلمة.
ليلى قامت وحضنتني بحرارة.
وقالت:
— بابا كان عارفك كويس قوي يا تيتة.
سلمى أضافت:
— وكان عارف إحنا هنكون في أمان فين.

خرجنا من مكتب المحامي واحنا حاسين إننا تخطينا مرحلة مظلمة من حياتنا.
مش بس عشان القضية اتقفل لصالحنا، ولا عشان الفلوس والأوراق…
لكن لأننا عرفنا إن أبوهم ساب لهم ولنا إرث أكبر بكتير.
ساب لنا الحقيقة اللي بتريح القلوب.
وساب لي أنا كلمة كنت محتاجاها طوال عشرين سنة:
إن اللي عملته ماكانش مجرد واجب مفروض، بل كان اختيار إنساني نابع من الحب.

بعد شهور طويلة، القضايا المالية خلصت بتسوية قانونية عادلة.
البنتين أخدوا حقوقهم كاملة من غير تنازل.
ليلى كملت دراستها بتفوق، وسلمى طورت شغلها وثبتت نفسها.
أما أمهم، فبعتت رسالة قصيرة في يوم عيد ميلادهم، مافيهاش أعذار، بس فيها اعتراف بالخطأ:
«أنا عارفة إن كلمة آسفة ماتكفيش اللي راح. بس لو في يوم حبيتوا تعرفوني من جديد بعيد عن أي مصالح، أنا موجودة. ولو ماحصلش، هاحترم قراركم للأبد.»

سلمى قرأت الرسالة، بصت لليلى وقالت:
— نرد عليها؟
ليلى هزت راسها بهدوء:
— مش دلوقتي خالص.
وقفت وبصت لي، فسألتني سلمى:
— مش زعلانة إننا ممكن في يوم نسامحها؟
ضحكت من قلبي وقلت:
— ليه أزعل؟ أنا ربيتكم علشان تكونو أحرار في قراراتكم، مش عشان تفضلوا مقيدين.
التسامح الحقيقي مش معناه إننا ننسى الماضي، ولا معناه إننا نرجع زي الأول كأن شيئاً لم يكن.
ممكن تسامحوا، وممكن تحطوا حدود واضحة تحميكم. وده حقكم تمامًا.

بعد سنة كاملة…
كانت الجنينة قدام بيتنا مليانة بأزهار الياسمين اللي زرعناها سوا.
وفي يوم هادي، سلمى وليلى جابوا صورة باباهم، وحطوها في برواز جميل.
وتحتها حطوا رسالته الغالية.
وجنبها صورة لينا إحنا التلاتة.
أنا في النص، وهما على الجانبين.
وكتبت سلمى تحت الصورة بخط واضح:
«العيلة الحقيقية هي اللي اختارت تفضل مع بعض للنهاية.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *