جارتي الجديده كانت بتدفن بيض ني في الحد

”ادخلي جوة.. بالراحة ومن غير صوت،” قالها زوجها بنبرة خفيضة تشبه حفيف الأفاعي، ودفع الباب بكتفه بقوة خرافية جعلتني أطير إلى الخلف وأرتطم بالأرضية الرخامية في الصالة.
دخل الاثنان وأغلقا الباب خلفهما بالمفتاح والترباس. وقفت نجلاء تستند بظهرها على الباب، وابتسامتها الملعونة تتسع وهي تنظر إلى الفأس الصغير المرمي بجواري وإلى يدي المرتجفتين، بينما تقدم زوجها خطوتين نحوي والمسدس موجه مباشرة إلى جبيني.
وفجأة.. تكرر الصوت!
”خربشة.. ثم طرقة خشبية مكتومة.. وصوت أنين بشري ممزق يخرج من تحت البلاط!”
الصوت لم يكن في خيالي، كان حقيقياً لدرجة أن بلاطة السيراميك الكبيرة في زاوية الصالة بجوار كنسول المدخل اهتزت اهتزازاً طفيفاً، وتصاعد منها غبار أبيض ناعم!
نظرت إلى الأرض شل أطرافي، ثم رفعت عيني إليهما وأنا ألهث وأكاد أختنق:
“مين.. مين اللي تحت الأرض؟! أنتوا عملتوا إيه في عم منصور؟! وعايزين مني إيه؟!”
ضحك زوج نجلاء ضحكة جوفاء مقطوعة، ولم ينزل سلاحه، بل حرك فوهته مشيراً إلى تلك البلاطة بالذات وقال ببرود يذيب الصخور:
“عمك منصور لسه فيه الروح.. سبحان من ممدد في عمره العجوز النجس، بقاله تلات أسابيع تحت في السرداب القديم، مكنش راضي ينطق بمكان الذهب وعقود الأطيان، وكل ما نجوعه يزداد عناد.. بس خبط الهيلتي برة هزه وفوقه من الغيبوبة.. الظاهر افتكر إن الفرج جه!”
ثم نظر إلى نجلاء بحدة وأمرها:
“شوفي الحبال في المطبخ وكتفيها بسرعة، مش عاوزين غلطة واحدة.. العمال برة بيطلعوا الصندوق، وبمجرد ما نأمن الصندوق والورق، هنرمي البت دي والعجوز تحت في الخزان، وندفنهم مع المقاول ونصب الخرسانة.. العربية الكبيرة بالأسمنت هتوصل كمان نص ساعة والحي مش هيحس بحاجة!”
تحركت نجلاء بخطوات سريعة نحو المطبخ، وكان ذلك أول خيط أمل ينبت في قلبي وسط ظلام تلك المأساة!
المطبخ!
في المطبخ على الرخامة كان طبق البيض المكسور، وجردل التراب والعظام، والأهم من ذلك كله: سكين المطبخ العريض الحاد الذي شققت به البيض وتركته بجوار الحوض!
في تلك اللحظات الفاصلة بين الحياة ، حدث تحول عجيب في داخلي. الخوف الشديد حين يصل إلى ذروته، إما أن يقتل الإنسان أو يوقظ فيه غريزة بقاء شرسة لا تعرف التردد. كل مشاعر الضعف والارتجاف التي عاشت معي منذ الصباح تبخرت دفعة واحدة. تذكرت نصيحة أبي رحمه الله: “المجرم يا بنتي دايماً جبان ورا سلاحه، وبيعتمد على عشان يشل عقلك.. لو فقدتي خوفك، هو اللي هيفقد توازنه!”



