المرتبه الملطخه

وأنا لسه ببص للورقة، سمعت باب البيت يتفتح.
أبويا دخل.
كان واقف في آخر الممر، وشه متوتر، ونفسه عالي.
بص للصندوق المفتوح.
وبصلي.
وقال:
— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
قلت له:
— إنت كنت عارف إن الرسالة دي هنا؟
قرب ببطء.
— أيوه.
— وعارف إنها عايزة تقابلني؟
سكت.
بصيتله بصدمة.
— ليه ماقولتليش؟
قال:
— لأن قبل ما تكلمها… لازم تعرف آخر حاجة.
فتحت الظرف الصغير.
جواه كانت فيه ورقة واحدة.
وفي أولها مكتوب:
“للرجل الذي ربّى ابني.”
فضلت ساكت.
أختي قالت:
— اقراها.
بدأت.
“أنا مدين لك بحاجة أكبر من أي فلوس.
إنت خدت طفل مش ابنك، وحبيته من غير شروط.
وأنا، رغم إنه ابني، فضلت واقف بعيد.
عمري ما هطلب منه يعتبرني أبوه بعد كل السنين دي.
الأبوة مش تحليل دم.
الأبوة هي الشخص اللي كان موجود لما الطفل خاف، ولما وقع، ولما نجح، ولما فشل.”
وقفت.
حسيت إن الكلام بيخبط جوايا في مكان مختلف.
كملت.
“لو ابني غضب منك لأنك خبيت الحقيقة، خليه يغضب.
إنت تستحق غضبه أقل مما أستحق أنا.
بس أتمنى في يوم يفهم إنك كنت بتحاول تحمي حياته اللي أنا كنت ممكن أخربها.”
قفلت الورقة.
سألت أختي:
— إنتِ قريتي ده قبل كده؟
قالت:
— لأ. أول مرة.
قلت:
— طب الحساب قيمته كام بالظبط؟
ناولتي الورق.
الرقم كان كبير.
كبير جدًا بالنسبة لحاجة بدأت بـ”مبلغ صغير كل سنة”.
استثمارات سنين طويلة خلت المبلغ يوصل لقيمة تغير حياة عيلة كاملة.
لكن الغريب إني مافكرتش في نفسي.
أول حاجة جات في دماغي كانت أبويا.
الراجل اللي رماني في البحر وأنا صغير عشان يعلمني أعوم، وبعدين نط ورايا لما خفت.
الراجل اللي استناني بره أول مقابلة شغل.
الراجل اللي وقف جنبي يوم جوازي.
رجعت البيت قبل المغرب.
لقيته قاعد على نفس الكرسي.
أول ما دخلت، وقف.
قال:
— عرفت؟
قلت:
— عرفت.
سكت.
مديت له الجواب.
— ده ليك.
قرأه.
وفي نص الكلام، نظارته بدأت تترعش في إيده.
لما خلص، قفل الورقة.
وقال:
— كان لازم أقولك.
قلت:
— أيوه.
نزل عينه.
— خفت أخسرك.
قلت:
— وأنا زعلان.
هز راسه.
— من حقك.
قربت منه.
— بس فيه حاجة إنت مش فاهمها.
رفع عينه.
قلت:
— أنا اكتشفت النهارده مين والدي الحقيقي.
وشه اتكسر.
قبل ما يبعد، كملت:
— هو إنت.
فضل يبصلي.
قلت:
— الراجل التاني أبويا بالدم.
— إنما إنت اللي ربيتني.
دموعه نزلت.
وأول مرة في حياتي أشوف أبويا بيعيط بالطريقة دي.




