دخل غىرفة العمليات وقبل ما يبدأ عملية الولادة اكتشف ان الست اللي هيولدها تبقى بنت عمه اللي طلىقها من سبع شهور عشان مبتخلفش. صوت الممرضة.. دكتور ماجد! حالة طوارئ جاية في الإسعاف، طلق مبكر، في اول التاسع.. جاية لوحدها مع جارتها، مفيش متابعة حمل عندنا. دخل العمليات بسرعة، غسل إيده، لبس الجاون. الست متخدرة نصفي، وستارة خضرا مغطية وشها، وصوت جهاز نبض الجنين شغال. “مساء الخير يا مدام، أنا دكتور ماجد، متخافيش، هنخرج البيبي دلوقتي كويس إن شاء الله.” بدأ يفحص، وسمع صوت مكتوم من ورا الستارة. صوت عارفه كويس. صوت كان بيسمعه كل يوم لمدة سنتين. “ماجد؟” الدنيا وقفت. رفع الستارة بإيد بتترعش. ولاء. بنت عمه… ولاء مراته اللي طلقها من سبع شهور. وشها شاحب، عرقان، شعرها لازق على خدها، وعنيها اللي كانت بتحبه بتبصله وهي مليانة دموع ورعب. آخر مرة شافها كانت من 7 شهور، يوم ما رمى عليها اليمين في شقة عمه بعد خناقة كبيرة بسبب الخلفة. “انتي مبتخلفيش ومش هتخلفي”، قالها. هي سكتت ومشيت. وهو سافر مؤتمر في القاهرة، ورجع لقاها لامة هدومها. طلقها غيابي. لا سأل، ولا دور. ودلوقتي هي نايمة قدامه على ترابيزة الولادة، وبطنها بتتحرك. سبع شهور. طلقها من سبع شهور. والبيبي ده في التاسع. الحسبة ضربت في دماغه زي صفارة إنذار. مش محتاجة دكتور عشان يحسبها. الممرضة: “دكتور؟ الضغط بيقع! 80 على 50!” ولاء مسكت إيده اللي لابسة الجوانتي، ضوافرها غرزت فيه. “طلعه يا ماجد.. أبوس إيدك طلعه.. مش عايزاه ..” ماجد بلع ريقه، وصوت جهاز القلب بقى هو كل حاجة سامعها في بص في عينيها، وبص للممرضة وقال بصوت أخشن من اللازم.” الكلمة طلعت منه ناشفة، كأنه بيحاول يفصل ماجد الدكتور عن ماجد الراجل اللي واقف متسمر قدام طليقته. الممرضة حطت المشرط في إيده. إيده اللي ولدت مئات الستات قبل كده، أول مرة ترتعش. “دكتور ماجد، الضغط 75 على 45.” “ادّيها محلول بسرعة، وحضريلي حقنة الرئة للبيبي.” بص لولاء تاني. عينيها كانت قافلة نص قفلة من البنج، بس لسه مسكاه. “ماجد.. لو جرالي حاجة..” “اخرسي.” قالها بصوت واطي وهو بيبدأ الفتح. “مش هيجرالك حاجة. بطلي دراما.” هو اللي كان بيقولها بطلي دراما زمان، لما كانت تعيط عشان اتأخر في العيادة. دلوقتي الكلمة وقفت في زوره. وقعت الكلمة على ماجد زي الصاعقة. ل ثوانٍ معدودة، حس إن رجليه مش شايلينه، والدنيا لفّت بيه. بص لولاء اللي وشها اتقلب في ثانية من الغل للرعب الخالص، وحاولت تتعدل من على وهي بتصرخ بجنون: “يحيى!! ابنـي!! عملت فيه إيه يا ماجد؟ ابني؟!” “خليكي مكانك!” زعق ماجد وهو بيلف ضهره وبيجري ناحية الباب، وعقله شغال زي الماكينة: “متحركيش.. هجيبهولك عايش!” جرى في ممر المستشفى بأقصى سرعة عنده، بيطير مش بيجري، وقلبه بيدق لدرجة إنه سامع صوته في ودانه. دخل الحضّانات وزق الباب بقوة. لقى طبيب الأطفال المقيم والممرضة متجمعين حوالين حضّانة يحيى، وصوت جهاز المونيتور بيصفر صفارة متصلة ومرعبة.. النبض بينزل بسرعة، والأكسجين وصل لـ 50%. “في إيه؟” زعق ماجد وهو بيزق الدكتور المقيم ويبص على ابنه. الولد كان لونه أزرق تماماً، شفايفه زرقا، وصدره مبيتحركش. الدكتور المقيم برعب: “يا فندم حصل ارتداد فجائي للسوائل الملوثة (العقي) اللي بلعها جوه الرحم، سدت الشعب الهوائية تماماً وتسببت في اختناق حاد (Aspiration syndrome) مع هبوط في وظائف الرئة.” ماجد مسمعش باقي الكلام. في اللحظة دي، اختفى ماجد الأب، واختفى ماجد الزوج الندمان، ومبقاش فيه غير الاستشاري اللي بقاله 10 سنين بينقذ أرواح. “حضرولي أنبوبة حنجرية مقاس 2.5 فوراً! وشفاط ضغط عالي!” صوته كان حاد وقاطع زي المشرط. أخد الأنبوبة بإيد حديدية، مفيش فيها الهزة بتاعة العمليات. انحنى على جسم ابنه الصغير، فتح بقه الصغير بالمنظار الحنجري، وبدأ يدخل الأنبوبة بدقة متناهية.. ملمتر واحد غلط كان ممكن حنجرة الطفل. “شغل الشفاط!” بدأ يسحب السوائل الملوثة اللي كانت بتخنق رئة يحيى. الدموع كانت بتجمع في عينيه بس كان بيجبر نفسه ميرمش عشان يشوف. سحب أول مرة، وتاني مرة، لحد ما المجرى الهوائي اتفتح. “وصلوا الأمبو باج (جهاز التنفس اليدوي)!” دقيقة.. دقيقتين.. و مفيهاش غير صوت الضغط المنتظم على البالونة. وفجأة، الشاشة بدأت تتحرك.. النبض بدأ يترفع.. 80.. 100.. 120.. والأكسجين بدأ يعلى ويوصل لـ 92%. ولون الولد بدأ يتغير من الأزرق القاتم للوردي. يحيى كح كحة ضعيفة، ورجع يصرخ تاني صرخة مكتومة بسبب الأنبوبة. أول ما فتح الرحم، المية حوالين الجنين كان لونها غريب….. أول ما فتح الرحم، المية حوالين الجنين كان لونها غريب.. مية ملوثة بـ “العقي”، الجنين بدأ يتبرز جوه الرحم نتيجة نقص الأكسجين. دي علامة خىطر مرعبة في أمراض النساء، معناها إن البيبي بيموت جوه. “شفاط بسرعة!” زعق ماجد بصوت هز جدران . الممرضة اتحركت زي الروبوت. ماجد إيديه كانت بتسبق عقله، غريزة الدكتور اللي جواه هي اللي سايقة دلوقتي. سحب الجنين بسرعة، لقى الحبل السري ملفوف حوالين رقبته لفتين. فكه بمهارة وسرعة وهو حاسس إن روحه هي اللي بتتسحب. دقيقة كاملة مرت كأنها سنة. مفيش فيها غير صوت جهاز ضغط ولاء اللي عمال يصفر، ونبضات قلبها اللي بتقل. وفجأة.. صرخة عالية هزت المكان. صرخة البيبي. الممرضة اتنفست الصعداء: “ولد زي الفل يا دكتور! بسم الله ما شاء الله.” ماجد مقدرش يبص لوش الولد. مكنش عنده رفاهية الوقت. “خديه على الحضّانة فورا، شفطيله السوائل من مناخيره وبقه.” أداها البيبي والتفت بسرعة لولاء. الرحم مكنش بيمسك. بعد ما المشيمة طلعت، الرحم رافض ينقبض. “وهن رحم حاد”. بدأ، والدم كان بيغرق الترابيزة. “دكتور، الضغط 60 على 30! المريضة بتدخل في صدمة نزفية!” صوت ممرضة التخدير كان مرعوب. “علقي كيسين دم فورا! فصيلة O سلبية لحد ما نحدد فصيلتها! اديني حقنة “أوكسيتوسين” في العضل وواحدة في المحلول!” إيديه كانت جوه بطن ولاء، بيعمل مساج للرحم من الداخل والخارج بكل قوته عشان يجبر العضلة تنقبض. بص لوش ولاء. عينيها غابت تماما، ووشها بقى أبيض زي الورقة. دموعها كانت لسه ناشفة على خدها. في اللحظة دي، الحسبة اللي ضربت في دماغه رجعت تاني زي الكابوس. سبع شهور! هو مطلقها من سبع شهور، والبيبي نازل في أول التاسع، يعني كامل النمو. بالعقل والطب، الست دي حملت وهي على ذمته. في آخر شهرين قبل طب إزاي؟ إزاي وهي بقالها سنتين بتلف معاه على الدكاترة، والكل أجمع إن عندها انسداد كامل وغير قابل للعلاج في قنوات فالوب، وإن نسبة حملها طبيعي هي صفر في المية؟ إزاي وهي كانت بتبكي بدل الدموع دم كل شهر لما العادة الشهرية بتجيلها؟ “انتي مبتخلفيش ومش هتخلفي”.. الكلمة رجعت ترن في ودنه بصوته القاسي يوم ما سابها. “الرحم بدأ يستجيب يا دكتور، الب بيقل!” صوت الممرضة رجعه للواقع. ماجد ضغط على سنانه وبدأ يقفل الطبقات بسرعة ودقة. إيده لسه بترتعش، بس تركيزه كان في أعلى درجاته. قفل الجلد، وبص على جهاز الضغط: 90 على 60. ولاء بدأت تستقر، بس لسه تحت تأثير البنج والإرهاق التام. خرج من غرفة العمليات، قلع الجاون وهو حاسس إنه شايل جبل على كتافه. لقى جارتها قاعدة بره، ست بسيطة لامة عبايتها ومخىطوفة من القلق. أول ما شافته وقفت: “طمنا يا دكتور؟ ولاء عاملة إيه؟ والواد؟” ماجد ثبت نظراته عليها وقال بنبرة جامدة: “الوالدة والبيبي كويسين، دخلوا الإفاقة. انتي جارتها من زمان؟” الست هزت راسها: “أيوة يا بيه، من يوم ما سكنت في دمنهور من ست شهور لوحدها.. غلبانة ومكسورة، ومبتدريش على حملها، كانت بتقول دايما إنها مبروكة والبيبي ده معجزة من عند ربنا بعد ما الدكاترة عجزوا.” ماجد حس بضربة في صدره: “سكنت من ست شهور؟ هي مجابتش سيرة جوزها؟ أبو الولد فين؟” الست بكت بدموع حقيقية: “جوزها إيه بس يا دكتور.. دي كانت بتقول إنه مات.. مات قبل ما يعرف إنها حامل. كانت بتشتغل خياطة ليل مع نهار عشان تجهز للواد، ومكنتش بتاكل لقمة عدلة لحد ما جاها طلق مبكر النهاردة الصبح. أنا ملقتش في جيبها غير تمن الإسعاف وجبتها على هنا علطول.” مات؟ ولاء قالت للناس إنه مات؟ ساب الجارة واقفة ودخل مكتبه وقفل الباب. قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه. الأفكار كانت بتطحن في دماغه. ولاء حملت في آخر أيامها معاه. الحمل حصل وهي لسه مراته، يعني الولد ده ابنه! ابنه هو! الراجل اللي بقاله سبع شهور عايش في وهم إن العيب منها، الراجل اللي كان بيرتب عشان يخطب بنت تانية عشان تجيبله الحتة العيل اللي كان بيموت عليه. قام ومشى بخطوات تقيلة ورايح يزور الحضّانة. وقف ورا اللوح الإزاز. الممرضة كانت بتنظف البيبي وبتحطه تحت الدفاية. بص لملامحه. الواد شبهه بشكل غريب. نفس قصة الحواجب، نفس تدويرة الوش. الولد فتح عينيه الصغيرة وبدأ يتحرك. ماجد حس بقشعريرة في كل جسمه. ده ابني. ابني اللي رميت أمه في الشارع وقولتلها انتي عاقر. عدت ساعتين، وولاء اتنقلت عادية. البنج بدأ يروح تماما. فتح الباب ودخل ا. كانت صاحية، ساندة راسها على المخدة، وعينيها باصة للسقف بفراغ. أول ما سمعت صوت الباب التفتت. لما شافته، عينيها ملقطتش نظرة لهفة ولا عتاب.. لقطت نظرة خوف ونفور. ماجد قرب وقعد على الكرسي اللي جنب كانت هادية بشكل . “الحمد لله على سلامتك يا ولاء.” قالها بصوت واطي ومبحوح. ولاء لفت وشها الناحية التانية وقالت بنبرة ناشفة وصوت ضعيف: “الله يسلمك يا دكتور. البيبي فين؟” “في الحضّانة، كويس وبيتنفس طبيعي، متقلقيش عليه.” سكتت. مكنتش عايزة تبص في وشه. ماجد مقدرش يستحمل السكوت: “ولاء.. الولد ده ابني؟” ولاء ضحكت ضحكة مكتومة مليانة وجع، لفت راسها وبصت في عينيه مباشرة، وقالت ببرود حرق دمه: “لأ مش ابنك يا ماجد. ابني أنا لوحدي. انت مش قولتلي اني مبتخلفش ومش هخلف؟ خلاص.. اعتبره جه من غير أب. زي ما قولت لجيراني إن أبوه مات.. اعتبر نفسك ميت فعلا.” ماجد وقف بعصبية: “مات إيه وجن عياذ بالله إيه! الحسبة الطبية بتقول إنك حملتي في الأسبوعين اللي قبل علطول! يعني ابني ومن صلبى! إزاي تخبي عليا حاجة زي دي؟ إزاي تخليني أطلقك وأنا مش عارف؟” ولاء عينيها لمعت بالغل والدموع: “أخبي عليك؟ أنا مكنتش أعرف أصلا! أنا عرفت اني حامل بعد ما طبت عليا الورشة بتاعة الخياطة وأنا بشتغل بعد طلاقنا بشهر كامل! لما دوخت وروحت للدكتور قالي انتي حامل في شهرين و أسبوع! وقعت من طولى.. الدكتور قالي قنوات فالوب كانت مسدودة بسبب التهاب مزمن، والظاهر العلاج الأخير اللي خدتيه قبل بشهر عمل مفعول ونضف القنوات والحمل حصل في أول تبويض نظيف!” ولاء اتعدلت بصعوبة وهي بتصرخ بدموع حارقة: “كنت عايزني أعمل إيه؟ أجيلك؟ أجي للراجل اللي رماني في أبويا وقال لعمامه دي عاقر ومش هتشيل اسمي؟ أجي للراجل اللي طلقني غيابي وسافر ومفكرش حتى يرفع سماعة التليفون يسأل عليا؟ أجيلك عشان تفتكر اني بتمسح فيك ولا بتبلى عليك عشان ترجعني؟” ماجد خطى خطوة ناحيتها ومد إيده: “ولاء.. أنا أسف.. الشياط كان عاميني..” “متلمسنيش!” زعقت وقاطعت كلامه وقامت ضوافرها مغروزة في ملاية من الألم: “أنا سميت الولد “يحيى”.. عشان ربنا أحيا بيه رحمي بعد ما انت قلبي. يحيى ملوش أب يا ماجد. واطلع برة ال دي.. أنا هخرج من المستشفى حالا.” في اللحظة دي، الباب اتفتح بسرعة، ودخلت الممرضة وشها مخطوف وهي بتبص لماجد: “دكتور ماجد! إلحقنا في الحضّانة.. نفس البيبي وقف فجأة والضربات بتقل!” وقعت الكلمة على ماجد زي الصاعقة. ل ثوانٍ معدودة، حس إن رجليه مش شايلينه، والدنيا لفّت بيه. بص لولاء اللي وشها اتقلب في ثانية من الغل للرعب الخالص، وحاولت تتعدل من على وهي بتصرخ بجنون: “يحيى!! ابنـي!! عملت فيه إيه يا ماجد؟ ابني ؟!” “خليكي مكانك!” زعق ماجد وهو بيلف ضهره وبيجري ناحية الباب، وعقله شغال زي الماكينة: “متحركيش.. هجيبهولك عايش!” جرى في ممر المستشفى بأقصى سرعة عنده، بيطير مش بيجري، وقلبه بيدق لدرجة إنه سامع صوته في ودانه. دخل الحضّانات وزق الباب بقوة. لقى طبيب الأطفال المقيم والممرضة متجمعين حوالين حضّانة يحيى، وصوت جهاز المونيتور بيصفر صفارة متصلة ومرعبة.. النبض بينزل بسرعة، والأكسجين وصل لـ 50%. “في إيه؟” زعق ماجد وهو بيزق الدكتور المقيم ويبص على ابنه. الولد كان لونه أزرق تماماً، شفايفه زرقا، وصدره مبيتحركش. الدكتور المقيم برعب: “يا فندم حصل ارتداد فجائي للسوائل الملوثة (العقي) اللي بلعها جوه الرحم، سدت الشعب الهوائية تماماً وتسببت في اختناق حاد (Aspiration syndrome) مع هبوط في وظائف الرئة.” ماجد مسمعش باقي الكلام. في اللحظة دي، اختفى ماجد الأب، واختفى ماجد الزوج الندمان، ومبقاش فيه غير الاستشاري اللي بقاله 10 سنين بينقذ أرواح. “حضرولي أنبوبة حنجرية مقاس 2.5 فوراً! وشفاط جراحي ضغط عالي!” صوته كان حاد وقاطع زي المشرط. أخد الأنبوبة بإيد حديدية، مفيش فيها الهزة بتاعة العمليات. انحنى على جسم ابنه الصغير، فتح بقه الصغير بالمنظار الحنجري، وبدأ يدخل الأنبوبة بدقة متناهية.. ملمتر واحد غلط كان ممكن يمزق حنجرة الطفل. “شغل الشفاط!” بدأ يسحب السوائل الملوثة اللي كانت بتخنق رئة يحيى. الدموع كانت بتجمع في عينيه بس كان بيجبر نفسه ميرمش عشان يشوف. سحب أول مرة، وتاني مرة، لحد ما المجرى الهوائي اتفتح. “وصلوا الأمبو باج (جهاز التنفس اليدوي)!” بدأ يضغط على البالونة بإيده بانتظام.. واحدة.. تانية.. تالتة.. وهو عينه مش مفارقة شاشة المونيتور. “يلا يا يحيى.. قوم يا ابني.. أمك.. قوم يا حبيبي.” دقيقة.. دقيقتين.. مفيهاش غير صوت الضغط المنتظم على البالونة. وفجأة، الشاشة بدأت تتحرك.. النبض بدأ يترفع.. 80.. 100.. 120.. والأكسجين بدأ يعلى ويوصل لـ 92%. ولون الولد بدأ يتغير من الأزرق القاتم للوردي. يحيى كح كحة ضعيفة، ورجع يصرخ تاني صرخة مكتومة بسبب الأنبوبة. ماجد ساب البالونة، وسند بإيديه الاتنين على ترابيزة الحضّانة، ونزل راسه وهو بيتنفس بصعوبة، ودموعه نزلت لأول مرة من سنين. مسح وشه بسرعة وبص للدكتور المقيم: “الولد يفضل على جهاز التنفس الصناعي وضغط إيجابي خفيف لحد ما الرئة تنظف تماماً. ممنوع أي غلطة.. ده ابني.” الدكتور المقيم بحسم: “تحت أمرك يا فندم، الحالة استقرت تماماً والحمد لله لحقناه في الثواني الأخيرة.” خرج ماجد من الحضّانة، ومشى في الممر وهو بيجر رجليه. لما قرب من ولاء، سمع صوت عياطها وصراخها المكتوم واصل لبرة، وجارتها دمنهور قاعدة جنبها بتحاول تهديها. دخل أول ما شافته، ولاء قطعت العياط وبصتله بعيون حمرا ومنهارة، ومنطقتش.. كانت مستنية تسمع منه كلمة واحدة تحدد حياتها الجاية. ماجد قرب منها، وملامحه كانت هادية بس تعبانة، وقال بنبرة حنينة ومطمئنة: “عايش يا ولاء. يحيى عايش والحمد لله لحقته بنفسي.. الرئة بتاعته تعبت شوية من مية الولادة بس النبض رجع ممتاز ولونه وردي، وهو دلوقتي نايم في الحضّانة مرتاح.” ولاء رمت راسها على المخدة وغطت وشها بإيديها الاتنين، في عياط هستيري، بس المرة دي عياط راحة وسجود لربنا. جارتها بدأت تكلّم ربنا وتحمده، وماجد شاور للجازة تخرج وتسيبهم لوحدهم. الست فهمت وخرجت وقفلت الباب. قعد ماجد على طرف السرير، ومد إيده بالراحة وحطها على كتف ولاء. المرة دي هي مشالتش إيده، كانت أضعف من إنها تقاوم، ومحتاجة أي أمان بعد الرعب اللي عاشته. “ولاء.. بصيلي أرجوكي.” قالها ماجد بصوت م. ولاء شالت إيديها وبصتله، ودموعها مغرقة وشها: “عايز إيه تاني يا ماجد؟ ابني وعرفت إنه بخير.. عايز مني إيه؟” ماجد اتنفس بعمق وقال: “أنا عارف إني غلطت في حقك غلط عمره ما يتصلح بكلمتين. وعارف إن قسوتي معاكي يوم ما سبتك كانت كفيلة تكرهك فيا طول العمر. بس قسماً بالله يا ولاء، أنا مكنتش عايش من بعدك. سافرت وروحت وجيت، والبيت كان فاضي عليا.. كنت مفكر إن المشكلة في الخلفة، بس لما مشيتي اكتشفت إن المشكلة إني خسرتك انتي.” ولاء اتكلمت بمرارة: “دلوقتي بتقول كده؟ بعد ما شوفت الولد؟ لو مكنتش ولدتني النهاردة، ولو مكنتش عرفت إن يحيى ابنك، كان زمانك رايح تتجوز وتعيش حياتك ولا سائل في بنت عمك اللي رمتها!” ماجد نزّل راسه في الأرض: “معاكي حق.. معاكي حق في كل كلمة. أنا كنت أناني وعميتني رغبتي في إنه يكون عندي عيل يشيل اسمي، ومفكرتش في قلبك اللي اتكسر. بس ربنا جابك لحد عندي، وجاب ابني لـ إيديا عشان يربيني أنا.. عشان يعرفني إن الرزق بتاعه هو، مش بتاعي ولا بتاع الطب.” ماجد حس إن عقله هيطير. الكلام اللي بيقوله الظابط صح من الناحية الطبية العلمية؛ AB مبيخلفش O نهائي، لأن جينات الأم لازم تورث إما A أو B. بص لولاء بعينين مليانة رعب وحيرة، لقاها بتبكي بانهيار وبتصرخ: “والله العظيم ابني! والله ما لمسني راجل غيرك يا ماجد! أنا ولدت قدام عينيك.. انت اللي مخرجه بإيديك من بطني! إزاي مش ابني؟!” “اهدي.. اهدي يا ولاء” ماجد قعد على ركبه قدامها، وبص في عينيها مباشرة. غريزة الدكتور والراجل اللي لسه مخلص معركة عشانها ثبتته. هو ولّدها بنفسه، وشاف المشيمة والحبل السري، مفيش مجال لتبديل أو تزوير. في حلقة مفقودة. التفت للظابط وقال بحسم وثبات: “أنا هأجي معاكم، والمدام هتيجي بس في عربية إسعاف لأن حالتها متسمحش بحجز أو حركة. وأنا بطلب رسمياً تحويلنا للطب الشرعي وعمل تحليل بصمة وراثية (DNA) فورا.. ده الفيصل الوحيد.” بعد 48 ساعة من القلق والتحقيقات، والتحفظ على ماجد وولاء في المستشفى تحت حراسة الشرطة، ظهرت نتيجة تحليل الـ DNA من مصلحة الطب الشرعي بالقاهرة. في مكتب وكيل النيابة الكلية، كان ماجد واقف وكتفه مربوط، وولاء قاعدة على كرسي ودموعها جفت من كتر الخوف، ويحيى نايم في لفته بين إيد جارتها اللي مصممتش تسيبهم. وكيل النيابة فتح المغلف المغلق بختم الشمع الأحمر، وبص في الورق بتركيز طويل، وملامحه الصارمة بدأت تتغير لدهشة وذهول. رفع عينه وبص لماجد وولاء: “الطب الشرعي النهاردة باعت لنا تقرير غريب جداً.. تقرير بيتقال إنه مبيمرش على الدكاترة والمحاكم غير مرة كل كام مليون حالة.” ماجد قدم خطوة: “خير يا فندم؟ النتيجة إيه؟” وكيل النيابة قرا من واقع التقرير: “تحليل البصمة الوراثية أثبت بما لا يدع مجالاً للشك إن الطفل يحيى هو الابن البيولوجي الشرعي للدكتور ماجد.. والابن البيولوجي الشرعي للمدام ولاء بنسبة 99.99%.” ولاء صرخت صرخة فرحة وهزت: “الحمد لله! يا رب انصرتني! الحمد لله!” ماجد اتنفس الصعداء وحس إن روحه رجعت، بس سأل وكيل النيابة بذهول دكتور: “طب وإزاي الفصائل يا فندم؟ علمياً ده مستحيل!” وكيل النيابة ابتسم وطلع تقرير طبي مرفق مأمي عليه من أطباء وراثة بجامعة القاهرة: “التقرير الطبي المرفق بيفسر ده بحالة طبية نادرة جداً اسمها (بومباي فينوتايب – Bombay Phenotype) أو الفصيلة البومبائية القنبلة. المدام ولاء فصيلتها جينياً مش AB، هي فصيلتها الحقيقية طفرة نادرة بتظهر في التحاليل العادية كأنها AB أو B، لكنها مابتورثش الجينات دي، وبتسمح بظهور فصيلة O في الأطفال. وبناءً عليه، القضية اتقفلت تماماً، والبلاغ اتحفظ، وانتم أحرار.” الظابط بملامح جامدة: “يا دكتور ماجد، المحضر مش طالع من المستشفى هنا، ده تقرير لجنة من وزارة الصحة فحصت عينات الدم الموثقة للمريضة في المعمل الإقليمي، والتقرير بيقول إن فصيلة دم المدام ولاء هي (AB) إيجابي، والطفل يحيى فصيلة دمه (O) سلبي. وطبقاً لقوانين علم الوراثة والطب الشرعي، مستحيل أم فصيلتها (AB) تخلف طفل فصيلته (O) تحت أي ظرف طبي في العالم! البلاغ بيتهمكم بتبديل أطفال في المستشفى أو تزوير نسب الجنين، واتفضل معانا من غير شوشرة.” خرجوا من مبنى النيابة، الشمس كانت طالعة والجو دافي بعد ليلة المطر الطويلة. ماجد كان ماشي جنب ولاء، وجارتها شايلة يحيى ووراهم. وقفوا قدام العربية، ماجد التفت لولاء وبص لها بحب واحترام كبير: “ولاء.. ربنا برأك وبصم على معجزته قدام الدنيا كلها. الطب اللي أنا كنت مغرور بيه وقف عاجز ومفسرش اللي حصل غير بعد ما بهدلنا. أنا اتعلمت الدرس.” ولاء بصت ليحيى اللي فتح عينيه الصغيرين للشمس، وبعدين بصت لماجد.. النظرة المرة دي مكنش فيها خوف ولا رفض، كان فيها هدوء وبداية تراجع للجرح القديم. “أنا لسه منسيتش يا ماجد” قالتها بصوت هادي: “بس يحيى محتاج أمان، ومحتاج أبوه اللي دافع عنه وعن أمه بدمه.” ماجد ابتسم ودموعه لمعت: “وأنا مش عايز غير إني أكون الأمان ده. جاهزة، هتوصلوا بالسلامة ترتاحي، وأنا هقعد في شقة تانية قريبة منكم.. لغاية ما يحيى بنفسه يطلب من أمه ترجع لـ بابا.” فتحلها باب العربية، ركبت وجنبها يحيى وجارتها، وماجد ركب ودار العربية، ومشيوا في طريق جديد.. طريق مفيش فيه قسوة ولا غرور، طريق بدأ بصرخة طفل رجع يحيي الحياة في قلبين ماتوا من سبع شهور. هو اللي كان بيقولها بطلي دراما زمان، لما كانت تعيط عشان اتأخر في العيادة. دلوقتي الكلمة وقفت في زوره. وقعت الكلمة على ماجد زي الصاعقة. ل ثوانٍ معدودة، حس إن رجليه مش شايلينه، والدنيا لفّت بيه. بص لولاء اللي وشها اتقلب في ثانية من الغل للرعب الخالص، وحاولت تتعدل من على وهي بتصرخ بجنون: “يحيى!! ابنـي!! عملت فيه إيه يا ماجد؟ ابني؟!” “خليكي مكانك!” زعق ماجد وهو بيلف ضهره وبيجري ناحية الباب، وعقله شغال زي الماكينة: “متحركيش.. هجيبهولك عايش! جرى في ممر المستشفى بأقصى سرعة عنده، بيطير مش بيجري، وقلبه بيدق لدرجة إنه سامع صوته في ودانه. دخل الحضّانات وزق الباب بقوة. لقى طبيب الأطفال المقيم والممرضة متجمعين حوالين حضّانة يحيى، وصوت جهاز المونيتور بيصفر صفارة متصلة ومرعبة.. النبض بينزل بسرعة، والأكسجين وصل لـ 50%. “في إيه؟” زعق ماجد وهو بيزق الدكتور المقيم ويبص على ابنه. الولد كان لونه أزرق تماماً، شفايفه زرقا، وصدره مبيتحركش. الدكتور المقيم برعب: “يا فندم حصل ارتداد فجائي للسوائل الملوثة (العقي) اللي بلعها جوه الرحم، سدت الشعب الهوائية تماماً وتسببت في اختناق حاد (Aspiration syndrome) مع هبوط في وظائف الرئة.” ماجد مسمعش باقي الكلام. في اللحظة دي، اختفى ماجد الأب، واختفى ماجد الزوج الندمان، ومبقاش فيه غير الاستشاري اللي بقاله 10 سنين بينقذ أرواح. “حضرولي أنبوبة حنجرية مقاس 2.5 فوراً! وشفاط ضغط عالي!” صوته كان حاد وقاطع زي المشرط. أخد الأنبوبة بإيد حديدية، مفيش فيها الهزة بتاعة العمليات. انحنى على جسم ابنه الصغير، فتح بقه الصغير بالمنظار الحنجري، وبدأ يدخل الأنبوبة بدقة متناهية.. ملمتر واحد غلط كان ممكن حنجرة الطفل. “شغل الشفاط!” بدأ يسحب السوائل الملوثة اللي كانت بتخنق رئة يحيى. الدموع كانت بتجمع في عينيه بس كان بيجبر نفسه ميرمش عشان يشوف. سحب أول مرة، وتاني مرة، لحد ما المجرى الهوائي اتفتح. “وصلوا الأمبو باج (جهاز التنفس اليدوي)!” دقيقة.. دقيقتين.. و مفيهاش غير صوت الضغط المنتظم على البالونة. وفجأة، الشاشة بدأت تتحرك.. النبض بدأ يترفع.. 80.. 100.. 120.. والأكسجين بدأ يعلى ويوصل لـ 92%. ولون الولد بدأ يتغير من الأزرق القاتم للوردي. يحيى كح كحة ضعيفة، ورجع يصرخ تاني صرخة مكتومة بسبب الأنبوبة. أول ما فتح الرحم، المية حوالين الجنين كان لونها غريب….. أول ما فتح الرحم، المية حوالين الجنين كان لونها غريب.. مية ملوثة بـ “العقي”، الجنين بدأ يتبرز جوه الرحم نتيجة نقص الأكسجين. دي علامة خىطر مرعبة في أمراض النساء، معناها إن البيبي بيموت جوه. “شفاط بسرعة!” زعق ماجد بصوت هز جدران . الممرضة اتحركت زي الروبوت. ماجد إيديه كانت بتسبق عقله، غريزة الدكتور اللي جواه هي اللي سايقة دلوقتي. سحب الجنين بسرعة، لقى الحبل السري ملفوف حوالين رقبته لفتين. فكه بمهارة وسرعة وهو حاسس إن روحه هي اللي بتتسحب. دقيقة كاملة مرت كأنها سنة. مفيش فيها غير صوت جهاز ضغط ولاء اللي عمال يصفر، ونبضات قلبها اللي بتقل. وفجأة.. صرخة عالية هزت المكان. صرخة البيبي. الممرضة اتنفست الصعداء: “ولد زي الفل يا دكتور! بسم الله ما شاء الله.” ماجد مقدرش يبص لوش الولد. مكنش عنده رفاهية الوقت. “خديه على الحضّانة فورا، شفطيله السوائل من مناخيره وبقه.” أداها البيبي والتفت بسرعة لولاء. الرحم مكنش بيمسك. بعد ما المشيمة طلعت، الرحم رافض ينقبض. “وهن رحم حاد”. بدأ، والدم كان بيغرق الترابيزة. “دكتور، الضغط 60 على 30! المريضة بتدخل في صدمة نزفية!” صوت ممرضة التخدير كان مرعوب. “علقي كيسين دم فورا! فصيلة O سلبية لحد ما نحدد فصيلتها! اديني حقنة “أوكسيتوسين” في العضل وواحدة في المحلول!” إيديه كانت جوه بطن ولاء، بيعمل مساج للرحم من الداخل والخارج بكل قوته عشان يجبر العضلة تنقبض. بص لوش ولاء. عينيها غابت تماما، ووشها بقى أبيض زي الورقة. دموعها كانت لسه ناشفة على خدها. في اللحظة دي، الحسبة اللي ضربت في دماغه رجعت تاني زي الكابوس. سبع شهور! هو مطلقها من سبع شهور، والبيبي نازل في أول التاسع، يعني كامل النمو. بالعقل والطب، الست دي حملت وهي على ذمته. في آخر شهرين قبل طب إزاي؟ إزاي وهي بقالها سنتين بتلف معاه على الدكاترة، والكل أجمع إن عندها انسداد كامل وغير قابل للعلاج في قنوات فالوب، وإن نسبة حملها طبيعي هي صفر في المية؟ إزاي وهي كانت بتبكي بدل الدموع دم كل شهر لما العادة الشهرية بتجيلها؟ “انتي مبتخلفيش ومش هتخلفي”.. الكلمة رجعت ترن في ودنه بصوته القاسي يوم ما سابها. “الرحم بدأ يستجيب يا دكتور، الب بيقل!” صوت الممرضة رجعه للواقع. ماجد ضغط على سنانه وبدأ يقفل الطبقات بسرعة ودقة. إيده لسه بترتعش، بس تركيزه كان في أعلى درجاته. قفل الجلد، وبص على جهاز الضغط: 90 على 60. ولاء بدأت تستقر، بس لسه تحت تأثير البنج والإرهاق التام. خرج من غرفة العمليات، قلع الجاون وهو حاسس إنه شايل جبل على كتافه. لقى جارتها قاعدة بره، ست بسيطة لامة عبايتها ومخىطوفة من القلق. أول ما شافته وقفت: “طمنا يا دكتور؟ ولاء عاملة إيه؟ والواد؟” ماجد ثبت نظراته عليها وقال بنبرة جامدة: “الوالدة والبيبي كويسين، دخلوا الإفاقة. انتي جارتها من زمان؟” الست هزت راسها: “أيوة يا بيه، من يوم ما سكنت في دمنهور من ست شهور لوحدها.. غلبانة ومكسورة، ومبتدريش على حملها، كانت بتقول دايما إنها مبروكة والبيبي ده معجزة من عند ربنا بعد ما الدكاترة عجزوا.” ماجد حس بضربة في صدره: “سكنت من ست شهور؟ هي مجابتش سيرة جوزها؟ أبو الولد فين؟” الست بكت بدموع حقيقية: “جوزها إيه بس يا دكتور.. دي كانت بتقول إنه مات.. مات قبل ما يعرف إنها حامل. كانت بتشتغل خياطة ليل مع نهار عشان تجهز للواد، ومكنتش بتاكل لقمة عدلة لحد ما جاها طلق مبكر النهاردة الصبح. أنا ملقتش في جيبها غير تمن الإسعاف وجبتها على هنا علطول.” مات؟ ولاء قالت للناس إنه مات؟ ساب الجارة واقفة ودخل مكتبه وقفل الباب. قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه. الأفكار كانت بتطحن في دماغه. ولاء حملت في آخر أيامها معاه. الحمل حصل وهي لسه مراته، يعني الولد ده ابنه! ابنه هو! الراجل اللي بقاله سبع شهور عايش في وهم إن العيب منها، الراجل اللي كان بيرتب عشان يخطب بنت تانية عشان تجيبله الحتة العيل اللي كان بيموت عليه. قام ومشى بخطوات تقيلة ورايح يزور الحضّانة. وقف ورا اللوح الإزاز. الممرضة كانت بتنظف البيبي وبتحطه تحت الدفاية. بص لملامحه. الواد شبهه بشكل غريب. نفس قصة الحواجب، نفس تدويرة الوش. الولد فتح عينيه الصغيرة وبدأ يتحرك. ماجد حس بقشعريرة في كل جسمه. ده ابني. ابني اللي رميت أمه في الشارع وقولتلها انتي عاقر. عدت ساعتين، وولاء اتنقلت عادية. البنج بدأ يروح تماما. فتح الباب ودخل ا. كانت صاحية، ساندة راسها على المخدة، وعينيها باصة للسقف بفراغ. أول ما سمعت صوت الباب التفتت. لما شافته، عينيها ملقطتش نظرة لهفة ولا عتاب.. لقطت نظرة خوف ونفور. ماجد قرب وقعد على الكرسي اللي جنب كانت هادية بشكل . “الحمد لله على سلامتك يا ولاء.” قالها بصوت واطي ومبحوح. ولاء لفت وشها الناحية التانية وقالت بنبرة ناشفة وصوت ضعيف: “الله يسلمك يا دكتور. البيبي فين؟” “في الحضّانة، كويس وبيتنفس طبيعي، متقلقيش عليه.” سكتت. مكنتش عايزة تبص في وشه. ماجد مقدرش يستحمل السكوت: “ولاء.. الولد ده ابني؟” ولاء ضحكت ضحكة مكتومة مليانة وجع، لفت راسها وبصت في عينيه مباشرة، وقالت ببرود حرق دمه: “لأ مش ابنك يا ماجد. ابني أنا لوحدي. انت مش قولتلي اني مبتخلفش ومش هخلف؟ خلاص.. اعتبره جه من غير أب. زي ما قولت لجيراني إن أبوه مات.. اعتبر نفسك ميت فعلا.” ماجد وقف بعصبية: “مات إيه وجن عياذ بالله إيه! الحسبة الطبية بتقول إنك حملتي في الأسبوعين اللي قبل علطول! يعني ابني ومن صلبى! إزاي تخبي عليا حاجة زي دي؟ إزاي تخليني أطلقك وأنا مش عارف؟” ولاء عينيها لمعت بالغل والدموع: “أخبي عليك؟ أنا مكنتش أعرف أصلا! أنا عرفت اني حامل بعد ما طبت عليا الورشة بتاعة الخياطة وأنا بشتغل بعد طلاقنا بشهر كامل! لما دوخت وروحت للدكتور قالي انتي حامل في شهرين و أسبوع! وقعت من طولى.. الدكتور قالي قنوات فالوب كانت مسدودة بسبب التهاب مزمن، والظاهر العلاج الأخير اللي خدتيه قبل بشهر عمل مفعول ونضف القنوات والحمل حصل في أول تبويض نظيف!” ولاء اتعدلت بصعوبة وهي بتصرخ بدموع حارقة: “كنت عايزني أعمل إيه؟ أجيلك؟ أجي للراجل اللي رماني في أبويا وقال لعمامه دي عاقر ومش هتشيل اسمي؟ أجي للراجل اللي طلقني غيابي وسافر ومفكرش حتى يرفع سماعة التليفون يسأل عليا؟ أجيلك عشان تفتكر اني بتمسح فيك ولا بتبلى عليك عشان ترجعني؟” ماجد خطى خطوة ناحيتها ومد إيده: “ولاء.. أنا أسف.. الشياط كان عاميني..” “متلمسنيش!” زعقت وقاطعت كلامه وقامت ضوافرها مغروزة في ملاية من الألم: “أنا سميت الولد “يحيى”.. عشان ربنا أحيا بيه رحمي بعد ما انت قلبي. يحيى ملوش أب يا ماجد. واطلع برة ال دي.. أنا هخرج من المستشفى حالا.” في اللحظة دي، الباب اتفتح بسرعة، ودخلت الممرضة وشها مخطوف وهي بتبص لماجد: “دكتور ماجد! إلحقنا في الحضّانة.. نفس البيبي وقف فجأة والضربات بتقل!” وقعت الكلمة على ماجد زي الصاعقة. ل ثوانٍ معدودة، حس إن رجليه مش شايلينه، والدنيا لفّت بيه. بص لولاء اللي وشها اتقلب في ثانية من الغل للرعب الخالص، وحاولت تتعدل من على وهي بتصرخ بجنون: “يحيى!! ابنـي!! عملت فيه إيه يا ماجد؟ ابني ؟!” “خليكي مكانك!” زعق ماجد وهو بيلف ضهره وبيجري ناحية الباب، وعقله شغال زي الماكينة: “متحركيش.. هجيبهولك عايش!” جرى في ممر المستشفى بأقصى سرعة عنده، بيطير مش بيجري، وقلبه بيدق لدرجة إنه سامع صوته في ودانه. دخل الحضّانات وزق الباب بقوة. لقى طبيب الأطفال المقيم والممرضة متجمعين حوالين حضّانة يحيى، وصوت جهاز المونيتور بيصفر صفارة متصلة ومرعبة.. النبض بينزل بسرعة، والأكسجين وصل لـ 50%. “في إيه؟” زعق ماجد وهو بيزق الدكتور المقيم ويبص على ابنه. الولد كان لونه أزرق تماماً، شفايفه زرقا، وصدره مبيتحركش. الدكتور المقيم برعب: “يا فندم حصل ارتداد فجائي للسوائل الملوثة (العقي) اللي بلعها جوه الرحم، سدت الشعب الهوائية تماماً وتسببت في اختناق حاد (Aspiration syndrome) مع هبوط في وظائف الرئة.” ماجد مسمعش باقي الكلام. في اللحظة دي، اختفى ماجد الأب، واختفى ماجد الزوج الندمان، ومبقاش فيه غير الاستشاري اللي بقاله 10 سنين بينقذ أرواح. “حضرولي أنبوبة حنجرية مقاس 2.5 فوراً! وشفاط جراحي ضغط عالي!” صوته كان حاد وقاطع زي المشرط. أخد الأنبوبة بإيد حديدية، مفيش فيها الهزة بتاعة العمليات. انحنى على جسم ابنه الصغير، فتح بقه الصغير بالمنظار الحنجري، وبدأ يدخل الأنبوبة بدقة متناهية.. ملمتر واحد غلط كان ممكن يمزق حنجرة الطفل. “شغل الشفاط!” بدأ يسحب السوائل الملوثة اللي كانت بتخنق رئة يحيى. الدموع كانت بتجمع في عينيه بس كان بيجبر نفسه ميرمش عشان يشوف. سحب أول مرة، وتاني مرة، لحد ما المجرى الهوائي اتفتح. “وصلوا الأمبو باج (جهاز التنفس اليدوي)!” بدأ يضغط على البالونة بإيده بانتظام.. واحدة.. تانية.. تالتة.. وهو عينه مش مفارقة شاشة المونيتور. “يلا يا يحيى.. قوم يا ابني.. أمك.. قوم يا حبيبي.” دقيقة.. دقيقتين.. مفيهاش غير صوت الضغط المنتظم على البالونة. وفجأة، الشاشة بدأت تتحرك.. النبض بدأ يترفع.. 80.. 100.. 120.. والأكسجين بدأ يعلى ويوصل لـ 92%. ولون الولد بدأ يتغير من الأزرق القاتم للوردي. يحيى كح كحة ضعيفة، ورجع يصرخ تاني صرخة مكتومة بسبب الأنبوبة. ماجد ساب البالونة، وسند بإيديه الاتنين على ترابيزة الحضّانة، ونزل راسه وهو بيتنفس بصعوبة، ودموعه نزلت لأول مرة من سنين. مسح وشه بسرعة وبص للدكتور المقيم: “الولد يفضل على جهاز التنفس الصناعي وضغط إيجابي خفيف لحد ما الرئة تنظف تماماً. ممنوع أي غلطة.. ده ابني.” الدكتور المقيم بحسم: “تحت أمرك يا فندم، الحالة استقرت تماماً والحمد لله لحقناه في الثواني الأخيرة.” خرج ماجد من الحضّانة، ومشى في الممر وهو بيجر رجليه. لما قرب من ولاء، سمع صوت عياطها وصراخها المكتوم واصل لبرة، وجارتها دمنهور قاعدة جنبها بتحاول تهديها. دخل أول ما شافته، ولاء قطعت العياط وبصتله بعيون حمرا ومنهارة، ومنطقتش.. كانت مستنية تسمع منه كلمة واحدة تحدد حياتها الجاية. ماجد قرب منها، وملامحه كانت هادية بس تعبانة، وقال بنبرة حنينة ومطمئنة: “عايش يا ولاء. يحيى عايش والحمد لله لحقته بنفسي.. الرئة بتاعته تعبت شوية من مية الولادة بس النبض رجع ممتاز ولونه وردي، وهو دلوقتي نايم في الحضّانة مرتاح.” ولاء رمت راسها على المخدة وغطت وشها بإيديها الاتنين، في عياط هستيري، بس المرة دي عياط راحة وسجود لربنا. جارتها بدأت تكلّم ربنا وتحمده، وماجد شاور للجازة تخرج وتسيبهم لوحدهم. الست فهمت وخرجت وقفلت الباب. قعد ماجد على طرف السرير، ومد إيده بالراحة وحطها على كتف ولاء. المرة دي هي مشالتش إيده، كانت أضعف من إنها تقاوم، ومحتاجة أي أمان بعد الرعب اللي عاشته. “ولاء.. بصيلي أرجوكي.” قالها ماجد بصوت م. ولاء شالت إيديها وبصتله، ودموعها مغرقة وشها: “عايز إيه تاني يا ماجد؟ ابني وعرفت إنه بخير.. عايز مني إيه؟” ماجد اتنفس بعمق وقال: “أنا عارف إني غلطت في حقك غلط عمره ما يتصلح بكلمتين. وعارف إن قسوتي معاكي يوم ما سبتك كانت كفيلة تكرهك فيا طول العمر. بس قسماً بالله يا ولاء، أنا مكنتش عايش من بعدك. سافرت وروحت وجيت، والبيت كان فاضي عليا.. كنت مفكر إن المشكلة في الخلفة، بس لما مشيتي اكتشفت إن المشكلة إني خسرتك انتي.” ولاء اتكلمت بمرارة: “دلوقتي بتقول كده؟ بعد ما شوفت الولد؟ لو مكنتش ولدتني النهاردة، ولو مكنتش عرفت إن يحيى ابنك، كان زمانك رايح تتجوز وتعيش حياتك ولا سائل في بنت عمك اللي رمتها!” ماجد نزّل راسه في الأرض: “معاكي حق.. معاكي حق في كل كلمة. أنا كنت أناني وعميتني رغبتي في إنه يكون عندي عيل يشيل اسمي، ومفكرتش في قلبك اللي اتكسر. بس ربنا جابك لحد عندي، وجاب ابني لـ إيديا عشان يربيني أنا.. عشان يعرفني إن الرزق بتاعه هو، مش بتاعي ولا بتاع الطب.” ماجد حس إن عقله هيطير. الكلام اللي بيقوله الظابط صح من الناحية الطبية العلمية؛ AB مبيخلفش O نهائي، لأن جينات الأم لازم تورث إما A أو B. بص لولاء بعينين مليانة رعب وحيرة، لقاها بتبكي بانهيار وبتصرخ: “والله العظيم ابني! والله ما لمسني راجل غيرك يا ماجد! أنا ولدت قدام عينيك.. انت اللي مخرجه بإيديك من بطني! إزاي مش ابني؟!” “اهدي.. اهدي يا ولاء” ماجد قعد على ركبه قدامها، وبص في عينيها مباشرة. غريزة الدكتور والراجل اللي لسه مخلص معركة عشانها ثبتته. هو ولّدها بنفسه، وشاف المشيمة والحبل السري، مفيش مجال لتبديل أو تزوير. في حلقة مفقودة. التفت للظابط وقال بحسم وثبات: “أنا هأجي معاكم، والمدام هتيجي بس في عربية إسعاف لأن حالتها متسمحش بحجز أو حركة. وأنا بطلب رسمياً تحويلنا للطب الشرعي وعمل تحليل بصمة وراثية (DNA) فورا.. ده الفيصل الوحيد.” بعد 48 ساعة من القلق والتحقيقات، والتحفظ على ماجد وولاء في المستشفى تحت حراسة الشرطة، ظهرت نتيجة تحليل الـ DNA من مصلحة الطب الشرعي بالقاهرة. في مكتب وكيل النيابة الكلية، كان ماجد واقف وكتفه مربوط، وولاء قاعدة على كرسي ودموعها جفت من كتر الخوف، ويحيى نايم في لفته بين إيد جارتها اللي مصممتش تسيبهم. وكيل النيابة فتح المغلف المغلق بختم الشمع الأحمر، وبص في الورق بتركيز طويل، وملامحه الصارمة بدأت تتغير لدهشة وذهول. رفع عينه وبص لماجد وولاء: “الطب الشرعي النهاردة باعت لنا تقرير غريب جداً.. تقرير بيتقال إنه مبيمرش على الدكاترة والمحاكم غير مرة كل كام مليون حالة.” ماجد قدم خطوة: “خير يا فندم؟ النتيجة إيه؟” وكيل النيابة قرا من واقع التقرير: “تحليل البصمة الوراثية أثبت بما لا يدع مجالاً للشك إن الطفل يحيى هو الابن البيولوجي الشرعي للدكتور ماجد.. والابن البيولوجي الشرعي للمدام ولاء بنسبة 99.99%.” ولاء صرخت صرخة فرحة وهزت: “الحمد لله! يا رب انصرتني! الحمد لله!” ماجد اتنفس الصعداء وحس إن روحه رجعت، بس سأل وكيل النيابة بذهول دكتور: “طب وإزاي الفصائل يا فندم؟ علمياً ده مستحيل!” وكيل النيابة ابتسم وطلع تقرير طبي مرفق مأمي عليه من أطباء وراثة بجامعة القاهرة: “التقرير الطبي المرفق بيفسر ده بحالة طبية نادرة جداً اسمها (بومباي فينوتايب – Bombay Phenotype) أو الفصيلة البومبائية القنبلة. المدام ولاء فصيلتها جينياً مش AB، هي فصيلتها الحقيقية طفرة نادرة بتظهر في التحاليل العادية كأنها AB أو B، لكنها مابتورثش الجينات دي، وبتسمح بظهور فصيلة O في الأطفال. وبناءً عليه، القضية اتقفلت تماماً، والبلاغ اتحفظ، وانتم أحرار.” الظابط بملامح جامدة: “يا دكتور ماجد، المحضر مش طالع من المستشفى هنا، ده تقرير لجنة من وزارة الصحة فحصت عينات الدم الموثقة للمريضة في المعمل الإقليمي، والتقرير بيقول إن فصيلة دم المدام ولاء هي (AB) إيجابي، والطفل يحيى فصيلة دمه (O) سلبي. وطبقاً لقوانين علم الوراثة والطب الشرعي، مستحيل أم فصيلتها (AB) تخلف طفل فصيلته (O) تحت أي ظرف طبي في العالم! البلاغ بيتهمكم بتبديل أطفال في المستشفى أو تزوير نسب الجنين، واتفضل معانا من غير شوشرة.” خرجوا من مبنى النيابة، الشمس كانت طالعة والجو دافي بعد ليلة المطر الطويلة. ماجد كان ماشي جنب ولاء، وجارتها شايلة يحيى ووراهم. وقفوا قدام العربية، ماجد التفت لولاء وبص لها بحب واحترام كبير: “ولاء.. ربنا برأك وبصم على معجزته قدام الدنيا كلها. الطب اللي أنا كنت مغرور بيه وقف عاجز ومفسرش اللي حصل غير بعد ما بهدلنا. أنا اتعلمت الدرس.” ولاء بصت ليحيى اللي فتح عينيه الصغيرين للشمس، وبعدين بصت لماجد.. النظرة المرة دي مكنش فيها خوف ولا رفض، كان فيها هدوء وبداية تراجع للجرح القديم. “أنا لسه منسيتش يا ماجد” قالتها بصوت هادي: “بس يحيى محتاج أمان، ومحتاج أبوه اللي دافع عنه وعن أمه بدمه.” ماجد ابتسم ودموعه لمعت: “وأنا مش عايز غير إني أكون الأمان ده. جاهزة، هتوصلوا بالسلامة ترتاحي، وأنا هقعد في شقة تانية قريبة منكم.. لغاية ما يحيى بنفسه يطلب من أمه ترجع لـ بابا.” فتحلها باب العربية، ركبت وجنبها يحيى وجارتها، وماجد ركب ودار العربية، ومشيوا في طريق جديد.. طريق مفيش فيه قسوة ولا غرور، طريق بدأ بصرخة طفل رجع يحيي الحياة في قلبين ماتوا من سبع شهور. الحمد لله على سلامتك يا ولاء.” قالها بصوت واطي ومبحوح. ولاء لفت وشها الناحية التانية وقالت بنبرة ناشفة وصوت ضعيف: “الله يسلمك يا دكتور. البيبي فين؟” في الحضّانة، كويس وبيتنفس طبيعي، متقلقيش عليه.” سكتت. مكنتش عايزة تبص في وشه. ماجد مقدرش يستحمل السكوت: “ولاء.. الولد ده ابني؟” ولاء ضحكت ضحكة مكتومة مليانة وجع، لفت راسها وبصت في عينيه مباشرة، وقالت ببرود حرق دمه: “لأ مش ابنك يا ماجد. ابني أنا لوحدي. انت مش قولتلي اني مبتخلفش ومش هخلف؟ خلاص.. اعتبره جه من غير أب. زي ما قولت لجيراني إن أبوه مات.. اعتبر نفسك ميت فعلا.” ماجد وقف بعصبية: “مات إيه وجن عياذ بالله إيه! الحسبة الطبية بتقول إنك حملتي في الأسبوعين اللي قبل علطول! يعني ابني ومن صلبى! إزاي تخبي عليا حاجة زي دي؟ إزاي تخليني أطلقك وأنا مش عارف؟” ولاء عينيها لمعت بالغل والدموع: “أخبي عليك؟ أنا مكنتش أعرف أصلا! أنا عرفت اني حامل بعد ما طبت عليا الورشة بتاعة الخياطة وأنا بشتغل بعد طلاقنا بشهر كامل! لما دوخت وروحت للدكتور قالي انتي حامل في شهرين و أسبوع! وقعت من طولى.. الدكتور قالي قنوات فالوب كانت مسدودة بسبب التهاب مزمن، والظاهر العلاج الأخير اللي خدتيه قبل بشهر عمل مفعول ونضف القنوات والحمل حصل في أول تبويض نظيف!” ولاء اتعدلت بصعوبة وهي بتصرخ بدموع حارقة: “كنت عايزني أعمل إيه؟ أجيلك؟ أجي للراجل اللي رماني في أبويا وقال لعمامه دي عاقر ومش هتشيل اسمي؟ أجي للراجل اللي طلقني غيابي وسافر ومفكرش حتى يرفع سماعة التليفون يسأل عليا؟ أجيلك عشان تفتكر اني بتمسح فيك ولا بتبلى عليك عشان ترجعني؟” ماجد خطى خطوة ناحيتها ومد إيده: “ولاء.. أنا أسف.. الشياط كان عاميني..” “متلمسنيش!” زعقت وقاطعت كلامه وقامت ضوافرها مغروزة في ملاية من الألم: “أنا سميت الولد “يحيى”.. عشان ربنا أحيا بيه رحمي بعد ما انت قلبي. يحيى ملوش أب يا ماجد. واطلع برة ال دي.. أنا هخرج من المستشفى حالا.” في اللحظة دي، الباب اتفتح بسرعة، ودخلت الممرضة وشها مخطوف وهي بتبص لماجد: “دكتور ماجد! إلحقنا في الحضّانة.. نفس البيبي وقف فجأة والضربات بتقل!” وقعت الكلمة على ماجد زي الصاعقة. ل ثوانٍ معدودة، حس إن رجليه مش شايلينه، والدنيا لفّت بيه. بص لولاء اللي وشها اتقلب في ثانية من الغل للرعب الخالص، وحاولت تتعدل من على وهي بتصرخ بجنون: “يحيى!! ابنـي!! عملت فيه إيه يا ماجد؟ ابني ؟!” “خليكي مكانك!” زعق ماجد وهو بيلف ضهره وبيجري ناحية الباب، وعقله شغال زي الماكينة: “متحركيش.. هجيبهولك عايش!” جرى في ممر المستشفى بأقصى سرعة عنده، بيطير مش بيجري، وقلبه بيدق لدرجة إنه سامع صوته في ودانه. دخل الحضّانات وزق الباب بقوة. لقى طبيب الأطفال المقيم والممرضة متجمعين حوالين حضّانة يحيى، وصوت جهاز المونيتور بيصفر صفارة متصلة ومرعبة.. النبض بينزل بسرعة، والأكسجين وصل لـ 50%. “في إيه؟” زعق ماجد وهو بيزق الدكتور المقيم ويبص على ابنه. الولد كان لونه أزرق تماماً، شفايفه زرقا، وصدره مبيتحركش. الدكتور المقيم برعب: “يا فندم حصل ارتداد فجائي للسوائل الملوثة (العقي) اللي بلعها جوه الرحم، سدت الشعب الهوائية تماماً وتسببت في اختناق حاد (Aspiration syndrome) مع هبوط في وظائف الرئة.” ماجد مسمعش باقي الكلام. في اللحظة دي، اختفى ماجد الأب، واختفى ماجد الزوج الندمان، ومبقاش فيه غير الاستشاري اللي بقاله 10 سنين بينقذ أرواح. “حضرولي أنبوبة حنجرية مقاس 2.5 فوراً! وشفاط جراحي ضغط عالي!” صوته كان حاد وقاطع زي المشرط. أخد الأنبوبة بإيد حديدية، مفيش فيها الهزة بتاعة العمليات. انحنى على جسم ابنه الصغير، فتح بقه الصغير بالمنظار الحنجري، وبدأ يدخل الأنبوبة بدقة متناهية.. ملمتر واحد غلط كان ممكن يمزق حنجرة الطفل. “شغل الشفاط!” بدأ يسحب السوائل الملوثة اللي كانت بتخنق رئة يحيى. الدموع كانت بتجمع في عينيه بس كان بيجبر نفسه ميرمش عشان يشوف. سحب أول مرة، وتاني مرة، لحد ما المجرى الهوائي اتفتح. “وصلوا الأمبو باج (جهاز التنفس اليدوي)!” بدأ يضغط على البالونة بإيده بانتظام.. واحدة.. تانية.. تالتة.. وهو عينه مش مفارقة شاشة المونيتور. “يلا يا يحيى.. قوم يا ابني.. أمك.. قوم يا حبيبي.” دقيقة.. دقيقتين.. مفيهاش غير صوت الضغط المنتظم على البالونة. وفجأة، الشاشة بدأت تتحرك.. النبض بدأ يترفع.. 80.. 100.. 120.. والأكسجين بدأ يعلى ويوصل لـ 92%. ولون الولد بدأ يتغير من الأزرق القاتم للوردي. يحيى كح كحة ضعيفة، ورجع يصرخ تاني صرخة مكتومة بسبب الأنبوبة. ماجد ساب البالونة، وسند بإيديه الاتنين على ترابيزة الحضّانة، ونزل راسه وهو بيتنفس بصعوبة، ودموعه نزلت لأول مرة من سنين. مسح وشه بسرعة وبص للدكتور المقيم: “الولد يفضل على جهاز التنفس الصناعي وضغط إيجابي خفيف لحد ما الرئة تنظف تماماً. ممنوع أي غلطة.. ده ابني.” الدكتور المقيم بحسم: “تحت أمرك يا فندم، الحالة استقرت تماماً والحمد لله لحقناه في الثواني الأخيرة.” خرج ماجد من الحضّانة، ومشى في الممر وهو بيجر رجليه. لما قرب من ولاء، سمع صوت عياطها وصراخها المكتوم واصل لبرة، وجارتها دمنهور قاعدة جنبها بتحاول تهديها. دخل أول ما شافته، ولاء قطعت العياط وبصتله بعيون حمرا ومنهارة، ومنطقتش.. كانت مستنية تسمع منه كلمة واحدة تحدد حياتها الجاية. ماجد قرب منها، وملامحه كانت هادية بس تعبانة، وقال بنبرة حنينة ومطمئنة: “عايش يا ولاء. يحيى عايش والحمد لله لحقته بنفسي.. الرئة بتاعته تعبت شوية من مية الولادة بس النبض رجع ممتاز ولونه وردي، وهو دلوقتي نايم في الحضّانة مرتاح.” ولاء رمت راسها على المخدة وغطت وشها بإيديها الاتنين، في عياط هستيري، بس المرة دي عياط راحة وسجود لربنا. جارتها بدأت تكلّم ربنا وتحمده، وماجد شاور للجازة تخرج وتسيبهم لوحدهم. الست فهمت وخرجت وقفلت الباب. قعد ماجد على طرف السرير، ومد إيده بالراحة وحطها على كتف ولاء. المرة دي هي مشالتش إيده، كانت أضعف من إنها تقاوم، ومحتاجة أي أمان بعد الرعب اللي عاشته. “ولاء.. بصيلي أرجوكي.” قالها ماجد بصوت م. ولاء شالت إيديها وبصتله، ودموعها مغرقة وشها: “عايز إيه تاني يا ماجد؟ ابني وعرفت إنه بخير.. عايز مني إيه؟” ماجد اتنفس بعمق وقال: “أنا عارف إني غلطت في حقك غلط عمره ما يتصلح بكلمتين. وعارف إن قسوتي معاكي يوم ما سبتك كانت كفيلة تكرهك فيا طول العمر. بس قسماً بالله يا ولاء، أنا مكنتش عايش من بعدك. سافرت وروحت وجيت، والبيت كان فاضي عليا.. كنت مفكر إن المشكلة في الخلفة، بس لما مشيتي اكتشفت إن المشكلة إني خسرتك انتي.” ولاء اتكلمت بمرارة: “دلوقتي بتقول كده؟ بعد ما شوفت الولد؟ لو مكنتش ولدتني النهاردة، ولو مكنتش عرفت إن يحيى ابنك، كان زمانك رايح تتجوز وتعيش حياتك ولا سائل في بنت عمك اللي رمتها!” ماجد نزّل راسه في الأرض: “معاكي حق.. معاكي حق في كل كلمة. أنا كنت أناني وعميتني رغبتي في إنه يكون عندي عيل يشيل اسمي، ومفكرتش في قلبك اللي اتكسر. بس ربنا جابك لحد عندي، وجاب ابني لـ إيديا عشان يربيني أنا.. عشان يعرفني إن الرزق بتاعه هو، مش بتاعي ولا بتاع الطب.” ماجد حس إن عقله هيطير. الكلام اللي بيقوله الظابط صح من الناحية الطبية العلمية؛ AB مبيخلفش O نهائي، لأن جينات الأم لازم تورث إما A أو B. بص لولاء بعينين مليانة رعب وحيرة، لقاها بتبكي بانهيار وبتصرخ: “والله العظيم ابني! والله ما لمسني راجل غيرك يا ماجد! أنا ولدت قدام عينيك.. انت اللي مخرجه بإيديك من بطني! إزاي مش ابني؟!” “اهدي.. اهدي يا ولاء” ماجد قعد على ركبه قدامها، وبص في عينيها مباشرة. غريزة الدكتور والراجل اللي لسه مخلص معركة عشانها ثبتته. هو ولّدها بنفسه، وشاف المشيمة والحبل السري، مفيش مجال لتبديل أو تزوير. في حلقة مفقودة. التفت للظابط وقال بحسم وثبات: “أنا هأجي معاكم، والمدام هتيجي بس في عربية إسعاف لأن حالتها متسمحش بحجز أو حركة. وأنا بطلب رسمياً تحويلنا للطب الشرعي وعمل تحليل بصمة وراثية (DNA) فورا.. ده الفيصل الوحيد.” بعد 48 ساعة من القلق والتحقيقات، والتحفظ على ماجد وولاء في المستشفى تحت حراسة الشرطة، ظهرت نتيجة تحليل الـ DNA من مصلحة الطب الشرعي بالقاهرة. في مكتب وكيل النيابة الكلية، كان ماجد واقف وكتفه مربوط، وولاء قاعدة على كرسي ودموعها جفت من كتر الخوف، ويحيى نايم في لفته بين إيد جارتها اللي مصممتش تسيبهم. وكيل النيابة فتح المغلف المغلق بختم الشمع الأحمر، وبص في الورق بتركيز طويل، وملامحه الصارمة بدأت تتغير لدهشة وذهول. رفع عينه وبص لماجد وولاء: “الطب الشرعي النهاردة باعت لنا تقرير غريب جداً.. تقرير بيتقال إنه مبيمرش على الدكاترة والمحاكم غير مرة كل كام مليون حالة.” ماجد قدم خطوة: “خير يا فندم؟ النتيجة إيه؟” وكيل النيابة قرا من واقع التقرير: “تحليل البصمة الوراثية أثبت بما لا يدع مجالاً للشك إن الطفل يحيى هو الابن البيولوجي الشرعي للدكتور ماجد.. والابن البيولوجي الشرعي للمدام ولاء بنسبة 99.99%.” ولاء صرخت صرخة فرحة وهزت: “الحمد لله! يا رب انصرتني! الحمد لله!” ماجد اتنفس الصعداء وحس إن روحه رجعت، بس سأل وكيل النيابة بذهول دكتور: “طب وإزاي الفصائل يا فندم؟ علمياً ده مستحيل!” وكيل النيابة ابتسم وطلع تقرير طبي مرفق مأمي عليه من أطباء وراثة بجامعة القاهرة: “التقرير الطبي المرفق بيفسر ده بحالة طبية نادرة جداً اسمها (بومباي فينوتايب – Bombay Phenotype) أو الفصيلة البومبائية القنبلة. المدام ولاء فصيلتها جينياً مش AB، هي فصيلتها الحقيقية طفرة نادرة بتظهر في التحاليل العادية كأنها AB أو B، لكنها مابتورثش الجينات دي، وبتسمح بظهور فصيلة O في الأطفال. وبناءً عليه، القضية اتقفلت تماماً، والبلاغ اتحفظ، وانتم أحرار.” الظابط بملامح جامدة: “يا دكتور ماجد، المحضر مش طالع من المستشفى هنا، ده تقرير لجنة من وزارة الصحة فحصت عينات الدم الموثقة للمريضة في المعمل الإقليمي، والتقرير بيقول إن فصيلة دم المدام ولاء هي (AB) إيجابي، والطفل يحيى فصيلة دمه (O) سلبي. وطبقاً لقوانين علم الوراثة والطب الشرعي، مستحيل أم فصيلتها (AB) تخلف طفل فصيلته (O) تحت أي ظرف طبي في العالم! البلاغ بيتهمكم بتبديل أطفال في المستشفى أو تزوير نسب الجنين، واتفضل معانا من غير شوشرة.” خرجوا من مبنى النيابة، الشمس كانت طالعة والجو دافي بعد ليلة المطر الطويلة. ماجد كان ماشي جنب ولاء، وجارتها شايلة يحيى ووراهم. وقفوا قدام العربية، ماجد التفت لولاء وبص لها بحب واحترام كبير: “ولاء.. ربنا برأك وبصم على معجزته قدام الدنيا كلها. الطب اللي أنا كنت مغرور بيه وقف عاجز ومفسرش اللي حصل غير بعد ما بهدلنا. أنا اتعلمت الدرس.” ولاء بصت ليحيى اللي فتح عينيه الصغيرين للشمس، وبعدين بصت لماجد.. النظرة المرة دي مكنش فيها خوف ولا رفض، كان فيها هدوء وبداية تراجع للجرح القديم. “أنا لسه منسيتش يا ماجد” قالتها بصوت هادي: “بس يحيى محتاج أمان، ومحتاج أبوه اللي دافع عنه وعن أمه بدمه.” ماجد ابتسم ودموعه لمعت: “وأنا مش عايز غير إني أكون الأمان ده. جاهزة، هتوصلوا بالسلامة ترتاحي، وأنا هقعد في شقة تانية قريبة منكم.. لغاية ما يحيى بنفسه يطلب من أمه ترجع لـ بابا.” فتحلها باب العربية، ركبت وجنبها يحيى وجارتها، وماجد ركب ودار العربية، ومشيوا في طريق جديد.. طريق مفيش فيه قسوة ولا غرور، طريق بدأ بصرخة طفل رجع يحيي الحياة في قلبين ماتوا من سبع شهور.