الولاده

خرجوا من مبنى النيابة، الشمس كانت طالعة والجو دافي بعد ليلة المطر الطويلة. ماجد كان ماشي جنب ولاء، وجارتها شايلة يحيى ووراهم.

وقفوا قدام العربية، ماجد التفت لولاء وبص لها بحب واحترام كبير: “ولاء.. ربنا برأك وبصم على معجزته قدام الدنيا كلها. الطب اللي أنا كنت مغرور بيه وقف عاجز ومفسرش اللي حصل غير بعد ما بهدلنا. أنا اتعلمت الدرس.”

ولاء بصت ليحيى اللي فتح عينيه الصغيرين للشمس، وبعدين بصت لماجد.. النظرة المرة دي مكنش فيها خوف ولا رفض، كان فيها هدوء وبداية تراجع للجرح القديم.

“أنا لسه منسيتش يا ماجد” قالتها بصوت هادي: “بس يحيى محتاج أمان، ومحتاج أبوه اللي دافع عنه وعن أمه بدمه.”

ماجد ابتسم ودموعه لمعت: “وأنا مش عايز غير إني أكون الأمان ده. جاهزة، هتوصلوا بالسلامة ترتاحي، وأنا هقعد في شقة تانية قريبة منكم.. لغاية ما يحيى بنفسه يطلب من أمه ترجع لـ بابا.”

فتحلها باب العربية، ركبت وجنبها يحيى وجارتها، وماجد ركب ودار العربية، ومشيوا في طريق جديد.. طريق مفيش فيه قسوة ولا غرور، طريق بدأ بصرخة طفل رجع يحيي الحياة في قلبين ماتوا من سبع شهور.
هو اللي كان بيقولها بطلي دراما زمان، لما كانت تعيط عشان اتأخر في العيادة. دلوقتي الكلمة وقفت في زوره.

وقعت الكلمة على ماجد زي الصاعقة. ل ثوانٍ معدودة، حس إن رجليه مش شايلينه، والدنيا لفّت بيه. بص لولاء اللي وشها اتقلب في ثانية من الغل للرعب الخالص، وحاولت تتعدل من على وهي بتصرخ بجنون: “يحيى!! ابنـي!! عملت فيه إيه يا ماجد؟ ابني؟!”

“خليكي مكانك!” زعق ماجد وهو بيلف ضهره وبيجري ناحية الباب، وعقله شغال زي الماكينة: “متحركيش.. هجيبهولك عايش!
جرى في ممر المستشفى بأقصى سرعة عنده، بيطير مش بيجري، وقلبه بيدق لدرجة إنه سامع صوته في ودانه. دخل الحضّانات وزق الباب بقوة. لقى طبيب الأطفال المقيم والممرضة متجمعين حوالين حضّانة يحيى، وصوت جهاز المونيتور بيصفر صفارة متصلة ومرعبة.. النبض بينزل بسرعة، والأكسجين وصل لـ 50%.

“في إيه؟” زعق ماجد وهو بيزق الدكتور المقيم ويبص على ابنه. الولد كان لونه أزرق تماماً، شفايفه زرقا، وصدره مبيتحركش.

الدكتور المقيم برعب: “يا فندم حصل ارتداد فجائي للسوائل الملوثة (العقي) اللي بلعها جوه الرحم، سدت الشعب الهوائية تماماً وتسببت في اختناق حاد (Aspiration syndrome) مع هبوط في وظائف الرئة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *