خلفت سبع مرات زهره الربيع 3

“اتنفسي هواء نقي يا مدام.. الكابوس ده انتهى. إحنا كان لازم نستنى اللحظة اللي يظهر فيها الملف الأصلي وعقود التركة الدولية الموثقة. الورق اللي في إيدك ده هو القشة اللي هتهد التنظيم ده بالكامل في ثلاث دول.”
وقفت على البسطة الخارجية للدرج، أتنفس هواء الليل البارد وأشعر بالأرض تدور بي. لم أكن أصدق أنني ما زلت حية، ولا أن تلك السنوات السبع الكئيبة المحاطة بالتابوت والدموع كانت في الحقيقة جداراً سميكاً من الجريمة المنظمة والعياذ بالله. لكن، بينما كان رجال الشرطة يكبّلون يدي زوجي بالحديد ويستدعون سيارة إسعاف لنقله تحت الحراسة المشددة، تقدم الضابط الكبير ونظر إليّ بعينين ملؤهما الأسى وقال:
“مدام سمر.. لازم تجمعي قوتك للخطوة الجاية. المقبرة اللي اندفن فيها طفلك السابع النهاردة، والقبور الستة اللي جنبها… النيابة العامة أصدرت قرار عاجل باستخراج الجثامين فوراً واستدعاء الطب الشرعي لإعادة تشريح السبعة كاملين وإثبات نسب المادة السمية.”
سقطت الأوراق من يدي فوق درجات السلم، وجثوت على ركبتي وأنا أصرخ بنحيب شق هدوء الليل. لم تكن الصدمة في السجن ولا في الضباط ولا في الدماء المنسكبة، بل كانت في الفكرة التي مزقت روحي إرباً: حتى أجسادهم الصغيرة الطاهرة، لم يسلم طينها من نبش الحقيقة المؤلمة! حتى أطفالي السبعة، سيكون عليهم أن يخرجوا من ظلمة القبور لشهادة الحق الأخيرة قبل أن يرتاحوا للأبد.
انحنى الضابط والتقط الملف الأسود عن الأرض، وضعه في حقيبة أدلة بلاستيكية شفافة، ثم نظر إليّ وقال بصوت جاد يكتنفه الغموض:
“وفيه حاجة ثانية أخيره يا مدام سمر.. لازم تعرفيها قبل ما نروح النيابة. التقرير المبدئي للتحريات السرية اللي عندنا بيأكد إن حسن ما كانش شغال لوحده في البيت ده.. كان فيه شخص ثاني من عيلتك أنتِ، شخص قريب منك جداً، هو اللي كان بيمدّه بالشحنات السمية دي من أول طفل!”
ارتجفت أوصالي واهتزت كل خلية في جسدي مع استقراري على ركبتي فوق درجات السلم الباردة. كانت عبارة الضابط الأخير كصاعقة شديدة أحرقت ما تبقى من لبي وعقلي: شخص من عائلتي أنا؟ قريب مني جداً؟
تدفقت في ذهني في تلك اللحظة خاطرة مرعبة كالسيول المجنونة. عبرت أمامي صور كل من حولتُ وجهي إليهم في سنوات قهري السبع: أمي التي كانت تبكي معي وتبخر الشقة برائحة العود، أختي الكبرى التي كانت تحضر لي العصائر والوجبات الدافئة عقب كل جنازة لتقويني، وعمي الذي كان يتولى إجراءات الدفن والتغسيل بنفسه في كل مرة ليريحنا من مشقة الإجراءات الرسمية!




