خلفت سبع مرات زهره الربيع 3

كان عقلي يستوعب الكلمات بصعوبة بالغة. السنوية الأولى لكل طفل… ذلك اليوم الملعون الذي كنت أظنه موعداً محتوماً مع القضاء والقدر، كان في الحقيقة موعداً استثمارياً مقدساً بين زوجي وعمي! كانا يجتمعان قبلها بأيام، يراجعان السجلات الرسمية، يستلمان شحنة الموت الصغيرة، ويصوغان السيناريو القادم بدقة متناهية!
وصلت السيارة إلى مبنى النيابة العامة في وقت متأخر من الليل. كانت الأضواء كاشفة والسيارات التابعة للشرطة والطب الشرعي تتزاحم في الفناء الخارجي. دخلت إلى مكتب رئيس النيابة وأنا أترنح، أجر قدمي جراً كأنني أحمل جبال العالم فوق كتفي.
كان مكتب النيابة يعج بالملفات والأوراق. وعلى الطاولة العريضة، كانت تجلس هيئة كاملة من الأطباء الشرعيين والضباط الكبار. وقف رئيس النيابة فور دخولي، ونظر إليّ باحترام وشفق قائلين:
” مدام سمر.. إحنا مقدرين صعوبة اللحظة دي عليكِ، بس التحقيقات اعترافية بالكامل دلوقتي. حسن تم نقله للمستشفى تحت حراسة مشددة بعد ما خضع للإسعافات الأولية، وانفجر في الاعتراف تفصيلياً بعد ما عرف إننا مسكنا الملف الأسود. وعمك توفيق تم القبض عليه في بيته من نص ساعة وبحوزته كميات إضافية من المعمل الميداني بتاعه.”
صمت لرهبة، ثم تابع بلهجة قاطعة:
“سيارات الطب الشرعي تحركت بالفعل للمقابر برفقة قوة شرطية وفريق متخصص. نبش القبور السبعة بدأ رسمياً قبل دقائق، وخلال ساعات، تقارير السموم النهائية هتكون على مكتبي لإطباق السجن المؤبد والمشنقة على كل المتورطين في الشبكة دي.”
طلبتُ منهم بصوت حشرج فيه الرجاء أن أذهب إلى المقابر. لم أكن أستطيع البقاء في هذا المكتب المكيف ذي الأوراق البيضاء بينما أطفالي السبعة يُخرجون من أسرّتهم الترابية في ظلام الليل. رفض الضابط في البداية خوفاً على قواي العقلية والنفسية، لكن أمام إصراري ونظرة الترجي الميتة في عيني، وافق وأمر بتسيير سيارة حراسة خاصة لتقودني إلى هناك.
تركت مبنى النيابة والسيارة تقطع شوارع المدينة المظلمة نحو المقابر. كانت الرياح الباردة تضرب زجاج السيارة، والسماء تبدو ثقيلة، حبلى بالمطر والغيوم.
عندما وصلت السيارة إلى أطراف المقابر، كانت الأضواء الكاشفة الضخمة تملأ المكان بضوء أبيض باهر، وصوت المولدات الكهربائية يزأر في السكون القاتل. رأيت العشرات من رجال الشرطة ورجال الطب الشرعي يرتدون الملابس البيضاء العازلة، يقفون حول ذلك الخندق المتسلسل الذي يحوي جثامين أولادي السبعة.





