خلفت سبع مرات زهره الربيع 3

امتدت يد الضابط برفق لتساعدني على الوقوف، بينما كان صوت أجهزة اللاسلكي يتعالى على السلم بطلبات إرسال وتعليمات مشددة بتطويق منطقة المقابر ومنع أي شخص من الاقتراب منها. انسحبت من بين أيديهم بخطوات غير موزونة، يسندني الحائط القديم للبيت، والدموع تحرق وجهي بغزارة لم أعهدها من قبل.

أدخلوني سيارة سوداء زجاجها داكن كانت تنتظر أسفل العمارة، وفي الشارع كان الزقاق هادئاً، خائناً، كعادته، لا يدري أهله أن كابوساً من أبشع كوابيس البشرية كان يُحاك في الطابق الثالث لسبع سنوات متواصلة. جلس الضابط إلى جواري في المقعد الخلفي، وأخرج ملفاً أصفر اللون من حقيبته، يقلب أوراقه تحت ضوء سقف السيارة الخافت.

نظر إليّ بأسى صادق وقال بصوت هادئ يحاول التخفيف من حدة الفاجعة:

“أنا عارف إن حمولتك زادت عن طاقة البشر يا مدام سمر.. بس العدالة المرة دي لازم تكتمل. الشخص اللي كان بيوفر المادة السمية دي لحسن مش مجرد وسيط، ده مهندس زراعي وخبير مستخلصات نباتية، وهو الوحيد اللي كان بيقدر يركّز مستخلص نبات الدفلى بطريقة زيتيّة ناعمة تسرع امتصاصه عن طريق الجلد والشفاه من غير ما تترك أثر ملموس أو يتغير طعم الأكل والشرب بشكل يثير الشبهة.”

تسمرت عيناي على الصفحة التي يقلبها. لم أجرؤ على السؤال، لكن لساني خانني وتنفس بصوت مخنوق:

“مين؟.. قول لي مين من عيلتي كان بيشارك في ذبح ولادي؟”

أدار الضابط الصفحة الأخيرة، وظهرت أمام عيني صورة شمسية ملونة لعمي! عمي “توفيق”، الأخ الوحيد لأبي المتوفى، الرجل الذي كان يستقبلني في كل مرة بالدموع، يربد على كتفي، ويحمل أطفالي الرضع إلى المقابر بيده، ويدعو الله أمام الجميع أن يعوضنا خيراً!

سقطت رأسي بين كفيّ وانطلقت مني صرخة مجهدة، صرخة ممزقة حطمت صمت السيارة. كان عمي يعمل بالفعل مستشاراً في إحدى الشركات الزراعية الكبرى، وكان يتنقل بين مصر ودول عربية وأوروبية بحكم عمله!

استطرد الضابط بصوت جاد يوضح خيوط المؤامرة الدنيئة:

“عمك توفيق ما كانش بعيد عن عقد التركة القديم. التحريات أثبتت إنه كان شريكاً أصلياً لوالد حسن من أكثر من ثلاثين سنة! هما الاتنين اللي أسسوا السجلات المزورة في الدولة المجاورة، ولما والد حسن مات، وتوفيق كبر في السن وعجز عن التردد على المحاكم هناك، نقل التكليف لحسن عشان يكمل السلسلة. عمك كان بياخد نصف العوائد المالية المهرّبة عن طريق شركات وهمية لتصدير الفواكه والمستخلصات الزيتية. كان هو اللي بيحضر المادة السمية بعناية في معمله الخاص، ويسلمها لحسن قبل كل عيد ميلاد للطفل بأسابيع قليلة!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *