خلفت سبع مرات زهره الربيع 3

دست الورقة الثامنة في صدري، ولم أعد إلى سيارة الشرطة، بل تسللت عبر الممرات المظلمة للمقابر حتى خرجت إلى الشارع الرئيسي. أوقفت سيارة أجرة بصعوبة، وصوت أنفاسي المتقطعة يتصاعد في عتمة السيارة. أمليت على السائق عنوان بيت أمي… البيت القديم الذي نشأت فيه، والذي طالما اعتبرته حصني الآمن ورمزي للدفء والحنان.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحاً عند وصولي. كانت المنطقة شعبية هادئة، والأضواء مطفأة في معظم النواحي. صعدت السلالم الرخامية المتهالكة ببطء شديد، خطواتي ثقيلة كأنها نحت في الصخر. فتحت باب الشقة بمفتاحي القديم الذي لم يسقط من ميداليتي قط.
دخلت إلى الصالة. كانت رائحة البخور المعتادة تملأ المكان، وهدوء قاتل يلف الغرف. رأيت أمي تجلس على أريكتها الخشبية القديمة في ظلام الصالة، تلتف بشالها الأسود وتفرك يديها بتوتر، وامامها شاشة هاتفها المضيئة برسائل لم تُقرأ.
بمجرد أن سمعت صوت الباب، رفعت رأسها بسرعة، وجاءت نبرة صوتها ملهوفة، مصنعة بالخوف المعتاد:
“سمر؟ يا حبيبتي يا بنتي! خضتيني.. البوليس جه البيت عندك وأنا سمعت أخبار مرعبة! قالوا إن حسن اتكشف وإن فيه مصيبة حصلت عند المقابر! قلبي كان هيقف عليكِ يا بنتي.. تعال في حضني يا حبيبتي، تعال ارتاحي من الشوم ده كله!”
وقفت عند العتبة، لا أتحرك، وعيناي مثبتتان على وجهها في الظلام. لم أتقدم خطوة واحدة نحو حضنها الذي طالما ارتميت فيه خائفة ومكسورة.
أخرجتُ من جيب عباءتي الورقة الثامنة، ورميتها بكل قسوة فوق الطاولة الصغيرة الفاصلة بيننا.
نظرت أمي إلى الورقة، ثم رفعت عينيها إليّ، وتبدلت ملامح وجهها في لحظة واحدة! اختفت نبرة الحنان الأمومي المقلد، ومسحت الملامح المكسورة، ليحل محلها وجه آخر بارد، حاد، وثاقب كشفرة المشرط!
ساد صمت مرعب في الصالة لدقيقة كاملة، لم نسمع فيها سوى صوت دقات الساعة الحائطية القديمة. ثم أرجعت أمي ظهرها إلى الخلف، وشبكت أصابعها فوق ركبتيها، وقالت بنبرة خالية تماماً من الرعشة أو الارتباك، صوت غريب لم أسمعه منها طوال حياتي:
“عرفتِ إزاي؟ الملف كان مقفول عند حسن وتوفيق.. مين اللي أدالك الملحق ب؟”
سقطت كلماتها كالسكين في أحشائي، لكنني لم أهتز. أخرجت صوتاً جافاً خشناً ينبع من قاع جهنم في صدري:




