خلفت سبع مرات زهره الربيع 3

نزلت من السيارة وبدأت أمشي ببطء نحو القبور المفتوحة. كان التراب يثار في الهواء، وصوت الحفر يتردد كأنه طعنات في صدري. وقفت عند حافة القبر الأول، حيث كان الأطباء يرفعون ببطء رفات صبي صغير ملفوف بخرق بالية.
لم أصرخ، ولم أبكِ. جفت الدموع في عيني تماماً، وحل محلها خشب قسوة لا ينتهي. كنت أنظر إلى الصغار يخرجون واحداً تلو الآخر من ظلمة الأرض إلى ضوء العدالة الباهر. سبعة أجساد صغيرة طاهرة، ظلمتها القسوة البشرية وأشبعتها الخديعة من أقرب الناس.
سار إليّ رئيس فريق الطب الشرعي وهو يحمل في يده ختامه الأولي، وقال وهو يتأمل الوثائق في يده:
“التحليل المبدئي للأنسجة والمستخلصات المتبقية في العظام يؤكد وجود رواسب كيمائية حيوية ثابتة لا تتفكك مع الزمن لمستخلص الدفلى المركّز. التقرير مكتمل كلياً يا مدام.. القضية أصبحت أسرع وأوضح قضية قتل عمد متسلسل في تاريخ القضاء.”
وقفت هناك في منتصف المقابر، بين أطفالي السبعة الممتدين تحت الأضواء الكاشفة، وأنا أعلم أن هذا الجزء من الكابوس قد انتهى بتعرية المجرمين وسقوط الأقنعة الزائفة. لكن القصة لم تكتمل بعد… كانت هناك وثيقة أخيرة خفية، ملتصقة بالبطانة الداخلية للملف الأسود، وثيقة لم ينتبه لها الضباط ولا النيابة… وثيقة تحمل اسماً ثامناً وتاريخاً قادماً لم يأتِ بعد!
وقفت وسط الأضواء الكاشفة في قلب المقابر، والرياح الباردة تعصف بصفحات الليل الكئيب، تحرك خصلات شعري الثائرة حول وجهي الشاحب. كان صوت المولدات الكهربائية يطحن السكون، وأجساد طفلتي وأبنائي السبعة ترتقي ببطء من أسرّتها الترابية في أكياس حماية بلاستيكية بيضاء، تحت إشراف أطباء تشريح ارتدوا معاطفهم الناصعة، ليعيدوا رسم البصمة الجنائية الأخيرة لمأساة امتدت لسبع سنوات من الغدر الصامت.
كنت أدسّ يدي المرتجفة في جيب عباءتي العريضة، أقبض بقوة غشيمة على تلك الورقة الأخيرة القاسية، الورقة الثامنة التي انتزعتها بخفة وثبات من المبطن الداخلي الخفي للملف الأسود قبل أن يغلقه الضابط في حقيبة الأدلة الشفافة. كانت ورقة سميكة ذات حواف مذهبة، يحمل أعلاها شعاراً لمؤسسة استثمارية غير رسمية مسجلة في ملاذ ضريبي قاصٍ، وبخط يد عمي “توفيق” التآمري الدقيق، كُتبت بنود البند الأخير من الاتفاقية الملعونة.




