خلفت سبع مرات زهره الربيع 3

انسحبت ببطء خطوات إلى الخلف، مبتعدة عن أعين رجال الشرطة والإنقاذ المشغولين بتوثيق الجثامين، وسندت ظهري إلى حائط مقبرة قديمة، أقرأ الكلمات تحت ضوء كشاف بعيد:
“البند الثامن والأخير: يستوفى العقد المبرم وتُنقل كافة الحسابات المصرفية والأصول العقارية المغلقة بصفة نهائية ولا رجعة فيها إلى الحائز الأول (حسن توفيق) والشريك الضامن (توفيق عبد الجواد)، بشرط تسجيل سليل ذكر ثامن وأخير، ينتهي أمره في ذات الموعد المعتاد قبل انقضاء العام الأول. وفي حال حدوث أي طارئ أو كشف للمخطط أو عجز عن توفير السليل الثامن في الموعد المحدد، تُحول كافة الملايين تلقائياً إلى الحساب الفردي الخاص بالمستفيد الوحيد المذكور في الملحق (ب)…”
فتحت الملحق الصغير المطوي بحذر داخل الورقة، فتجمّدت دمائي ونزل على قلبي ساطور من الثلج القاطع!
المستفيد الوحيد المذكور في الملحق (ب) لم يكن حسن، ولا عمي توفيق! كان اسماً لم يخطر لي على بال، ولا يتصوره عقل بشر… كان اسم أمي! “كريمة عبد السلام”!
تراجعت بي الأرض وسقطت على ركبتي فوق التراب الندي، والعرق البارد يتدفق من جبهتي بغزارة. أمي؟ أمي التي كانت تحضنني وتبكي معي دموعاً حارقة عقب كل جنازة؟ أمي التي كانت تقسم بالله أمام الجيران أن هذه الدار ممسوسة أو ملعونة وتصنع لي التمائم وتجلس تحت قدمي لتطعميني بيدها وأنا في غيبوبة الحزن؟ أمي كانت هي الرأس المدبر الأكبر والأخفى، الصامتة التي تقف خلف الستار لتضمن وصول التركة بأكملها إلى حسابها الخاص إذا ما سقط حسن وعمي في قبضة القضاء أو اقتتلا على الأوراق!
كانت الصورة الكبرى تكتمل أمامي ببشاعة تتجاوز حدود العقل الإنساني. لم تكن المأساة مجرد زوج جشع وعم مجرم؛ كانت مؤامرة عائلية قذرة، خططت لها أطراف من دمائي وأحشائي منذ عقود، واستخدموا جسدي ورحمي مجرد حقل تجارب، ومصنعاً إنتاجياً لأطفال يتم إعدامهم بدم بارد بمجرد الحصول على أوراقهم الرسمية لتصفية الملايين المهربة!
قمت من على التراب، ودموع القهر تحولت في عيني إلى جمر حارق. لم يعد في قلبي مكان للخوف، ولا للخسارة، ولا للرجاء. لقد مات كل شيء داخل روحي مع السبعة، ولم يتبقَ سوى جثة تمشي على قدمين، هدفها الوحيد هو إطباق الفك على آخر رأس في هذه الأفعى السامة.



